مروان ناصح

مـروان نــاصح / لا ميديا -
المراياتي.. حكواتي الضوء في سوق المدينة
في قلب السوق القديم، حيث تتسلل الشمس بين الأزقة، كعازف نايٍ يتدرّب على نغمة الصباح، يقف المراياتي أمام دكّانه الصغير، كمن يقف على عتبة مسرح.
ليست بضاعته ألواح زجاج فحسب، بل بحيرات ساكنة من الضوء، تعكس على سطحها ملامح العابرين.
 يمسح المرايا بقطعة قماش ناعمة، كأنه يجفّف دموع الليل عن وجه المدينة، فتلمع فجأة مثل عيونٍ استيقظت من حلم جميل.

طقوس افتتاح الدكان
في كل صباح، يصل قبل أن يكتمل تنفّس السوق.
يفتح باب الدكان ببطء، ثم يبدأ في تعليق المرايا، كما يعلّق رسّامٌ لوحاته في صالة عرض.
الأطفال يضحكون أمام انعكاساتهم الراقصة، تتلوّن وجوههم وتتشوه بمرح في المرايا المحدّبة والمقعّرة، وكأنهم دخلوا كرنفالاً من الزجاج الماكر.
ولأنه يعرف أسرار الطفولة، يترك دائمًا مرآة منخفضة، عند مستوى ضحكة الطفل.

مرآة لكل روح
وللمراياتي عين خفية لا تخطئ.
عندما يدخل زبون من زبائنه، يمدّ يده نحو المرآة المناسبة دون أن يشعر.
فللمرأة الحزينة مرآةٌ تنساب كالندى؛ وللرجل المتعب مرآةٌ تشبه راحة المساء؛ وللشيخ الذي يطارد ظلال شبابه، مرآةٌ تعيد إليه شيئًا من زمنٍ لم يغادر قلبه.
يكاد الزبون يظن أن المرآة هي التي اختارته لا العكس.

رسائل شفوية على
حواف الزجاج
ولأنه أمّي لا يعرف الكتابة، اخترع المراياتي لغته الخاصة: "اكشف وجهك للنهار.. فالمرآة تحب الوجوه المضيئة". "ابتسم..فالحياة جديرة بالفرح".
وهكذا يتحوّل كل زجاج بسيط رسالة يومية، تُعلّق على جدار بيت، تذكّر أصحابه بجمالهم، وأحلامهم الندية!

المدينة كما تراها المرايا
في السوق، تختلط روائح الهيل، ورغيف التنور بأصوات الباعة.
وبين كل هذه الضجة، تعمل مراياه كـعيونٍ معلّقة على الجدران.
تعكس النساء وهنّ يحملن سِلال الفاكهة، والصبية الذين يركضون كعصافير متلهفة للدهشة، والبيوت التي تبتسم للشمس كلما مرّت عليها.
كل مرآة تحتفظ بشهيق صغير من يوم المدينة.. كأنها تلتقط له صوراً سرية.

تأملات الرجل الهادئ
وفي الظهيرة حين يهدأ السوق، يقف المراياتي أمام مراياه لحظات طويلة.
يرى نفسه في كل انعكاس.. لا بائعا، بل روحاً تتقاسم مع الناس قلقهم وفرحهم.
الابتسامات التي يتركها على وجوه زبائنه، تمنحه شعورًا غريبًا بالرضا، كأنه يطلّ على قلب المدينة من ثقب زجاج.

غروب ينعكس على الزجاج
وعندما تبدأ الشمس بالرحيل، يلمّع المرايا الأخيرة بذات الطقوس التي بدأ بها نهاره.
يغلق دكانه، في حين تبقى على زجاج المرايا، بقايا مدينة تمشي نحو الظلام بخفة راقصة.
الوجوه التي انعكست خلال النهار تختفي تدريجياً، لكنها تبقى معلّقة في ذاكرة الضوء.. في أرشيف الرجل الذي لا يكتب، لكنه يوثّق كل شيء.

خاتمة
المراياتي ليس بائع مرايا وكفى، إنه حكواتي الضوء.. الرجل الذي جعل الزجاج يرى أكثر مما نرى، ويبتسم أكثر مما نبتسم، ويحفظ للمدينة صورتها كما يحبّها القلب: نقية، بسيطة، ومضيئة على الدوام.

أترك تعليقاً

التعليقات