مروان ناصح

مروان ناصـح / لا ميديا -
الحميماتي.. عاشق الطيران
كان يطلّ على الأسطح، كأنه يفتح بابًا إلى عالمٍ لا يُرى إلا بالعين التي تعرف كيف تحلم.
يحمل الحبوب، يوزّعها كأنّه يوزّع نجومًا صغيرة على السطح، ثم يصفر بنغمة أليفة، فتنهض الحمامات، كمن يجيب نداءً قديمًا، يقطع به الصمت، ويُعيد للسماء حقها في أن تكون ملاذًا للروح. إنه الرجل الذي يطلق الطير كما يطلق الأحلام.

الحمام.. ألوانٌ تتنفس
الحمام عنده ليست مجرّد طيور، بل لوحاتٌ صغيرة تتحرك في الهواء، كأنّ كل طائر يحمل لونًا من سرّ المدينة.
الأبيض كصفحةٍ نقية، الرمادي كهدوء المساء، المنقط كقطراتِ نورٍ على جناح.
وفي كل طائر، يرى الحميماتي ملمحا من نفسه: من يهاب الارتفاع كمن يهاب الحقيقة، ومن يعشق الانطلاق كمن يعشق الخلاص، ومن يفضّل البقاء قريبًا من السطح،كمن يخشى أن يترك خلفه عالمًا لا يملك له بديلا.
ويظل هو كطفلٍ كبير، يستمع إلى كل خفقة كأنها قصيدة تُقال بلا كلمات.

حمام الزاجل.. رسائلٌ عبر السماء
 قديما كان الحميماتي يطلق صفيره كأنّه يرسل رسالةً من القلب إلى القلب، لكن الرسالة عنده ليست كلمات، بل أملًا مُعلّقًا في الهواء.
في زمنٍ كانت الرسائل تُكتب بأقلامٍ بطيئة، كان الطير يكتبها بالريش والهواء، ويعود يحمل جوابًا كأنه عاد من رحلةٍ بين السحب.
وفي كل مرة يعود، كانت يده ترتجف فرحًا، كأنها تلمس معنى التواصل قبل أن تلمس الورق، وكأنّ السماء تردّ له التحية.

الصفير.. لغةٌ يفهمها الطير
ميزة الحميماتي ليست في تربيتِه فحسب، بل في صوته، يصفر بفمه كأنّه يوقظ روحًا نائمة في الهواء.
الصفير عنده ليس صوتًا، بل نداء يترجم للطيور معنى: "تعالوا.. لا تخافوا.. هذا بيتكم".

لحظةُ الحط.. سعادةُ الرجل
أعظم لحظة عند الحميماتي ليست الطيران، بل حين تحط حمامة على يده.
 تتوقف الدنيا في هذه اللحظة. يغمض عينيه، وتبدو يدُه كأنها عُشٌ صغير، يتسع لروحٍ طائرة.
تتدفق سعادته في صمتٍ، لا يقول شيئًا، لكن يده تتحدث: لا تهزّ الطائر، بل تستقبله كأنها تهمس له: "أنتَ هنا.. أنتَ آمن".
وفي تلك اللحظة، يشعر كمن يملك العالم في راحة يده، وكأنّ الطائر، يهبط على قلبه ويُطمئنه.

الأسطح.. مسرحُ حياته
السطح ليس مكانًا عابرًا عنده، بل مسرحٌ كبير، حيث ترقص الحياة بخطوطٍ من هواء.
هناك يلتقي بالسماء، ويستمع إلى خفقات الطيور، كأنها موسيقى. في منتصف الطريق بين الواقع والحلم.
الأسطح هي بيته الأحنّ، لأنها تتيح له أن يعيش فوق ضوضاء المدينة، وأن يسمع فيها صمتًا لا يعرفه أحد غير الطير، في هذا العلو.

مظلوميته.. حين رفضه أهل الأرض
ومع كل هذا الجمال، كان الحميماتي مظلومًا في الأرض: أقرّ القضاء بعدم أهليته للشهادة في المحاكم.
قالوا عنه: "رجل بلا مروءة"!!
هذا الظلم لم يوقف طيرانه، لكنه ترك أثرًا في قلبه، وهكذا ظل يصفّر، كأنه يرد على كل صوتٍ قال له: "أنت لا تصلح"!!
كأنّه يثبت للكون أن الوجود لا يحتاج إلى شهادة من البشر، كي يكون جميلًا.

خاتمة
هو الحميماتي، ذلك الذي يملك بين يديه سرًا لا يملكه كثيرون: علاقةٌ حميمة مع الأجنحة، في نظرته حنينٌ، وفي صمته حكاية، وفي صفيره سحرٌ يوقظ الطيور من النوم، كأنّه يوقظ في الهواء ذاكرةً قديمة، لم تُكتب بعد.

أترك تعليقاً

التعليقات