«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 1٤2
- مروان ناصح الأثنين , 13 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:19:29 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
السَّكاكري.. صانع الفاكهة المجففة وبائع البهجة المحفوظة
في أزقة الزمن الجميل، لم يكن السَّكاكري بائعاً للحلوى المجففة، بل كان خازناً لشموس الصيف، حافظاً لأرواح الفاكهة بعد أن تنام مواسمها.
يدخل دكانه الطفل فيتحول إلى ملاكٍ صغير، والكبير إلى طفلٍ نسي عمره عند أول قطعة "قمر الدين"، أو حبة "مشمشية" تذوب على اللسان كأغنية.
كان السَّكاكري شاعر النكهة، وناسج الحلاوة، وفيلسوفاً صامتاً، يرى العالم من خلال "برطمانات" السكّر والزبيب والتمر وفاكهة تحولت من طازجة إلى ذاكرة.
دكانٌ يلمع كخزانة كنوز صغيرة
يقف دكان السكاكري على ناصية الطريق، كأنه صندوقٌ خشبيّ خرج للتو من سفينة سندباد.
البرطمانات الزجاجية مصطفة بانتظام، تحتضن المشمشية والخوخية والتين المجفف والزبيب مثل جواهر ملونة.
وكل عابر يشعر بأنه على وشك اكتشاف كنزٍ، حتى لو اشترى حبتين لا غير.
يدٌ تعرف لغة الشمس
يُجفّف الفاكهة كما لو أنّه يعتذر لها لأنها غادرت أشجارها.
يمدّ شرائح المشمش والخوخ تحت الشمس، يراقبها كأمٍّ تخاف على صغارها من نسمةٍ باردة، ويقلبها بلمسٍ يشفّ عن خبرة السنين.
ثم يرشها برذاذ سكّرٍ خفيف كمن يباركها، لتعود إلينا في الشتاء قناديل صغيرة تحفظ دفء تمّوز في قلب كانون.
مذاقات تحفظ أعماراً كاملة
لا يبيع مجرد طعام، بل يبيع الذكريات نفسها.
حبة تينٍ مجفف تعيد رجلاً ستينياً إلى طفولته فوق شرفة جدته.
وشريحة قمر الدين تستعيد صيفاً كاملاً. كان السكاكري يعرف أن كل زبون لا يشتري بالفم، بل بالقلب. ولذلك، يبتسم حين يرى العينين تتسعان قبل اليدين.
لحظة اختيار.. كأنك تنتقي نجمة
يقف الزبون أمام البرطمانات الزجاجية، حائراً كمن يقف أمام سماءٍ مملوءة بالنجوم اللذيذة.
يرفع السَّكاكري الغطاء عن أحدها، فيتصاعد عطرٌ يشبه همس بستانٍ في أول الفجر.
يُقَرِّب له قطعة مشمشية، أو يقدم له "ليِّة" تينٍ ملفوفة بإتقان، ويسأله تلك الجملة التي لا يخلو منها دكانه: "تريدها طرية.. والّا قاسية شوي؟".
فيشعر الزبون بأنه لا يشتري حلوى، بل ينتقي مزاجه اليومي؛ قطعة تفرحه، أو تطيّب خاطر طفل ينتظر عند الباب.
صديق الأطفال السرّي
الأطفال يعرفون طريقهم إليه كما تعرف الطيور طريقها إلى أعشاشها.
يأتي الواحد منهم وفي جيبه بعض "الفكة"، يمدها بخجل، فيمد السكاكري قلبه قبل يده، ويعطيه أكثر مما دفع، دائماً.
حين ينصرف الطفل فرحاً، يضحك السكاكري لنفسه، فهو يرى في كل طفلٍ نسخةً من طفولته التي تذوب في حبة زبيب.
حكمة رجلٍ يعرف
أن الحلاوة دواء
كان السكاكري يرى أن العالم مكان مرهق، وأن على كل إنسان أن يأخذ جرعته من السكّر ليتوازن.
ولذلك كان يتحدث بنبرة وادعة، ويستمع ببالٍ طويل، ويُلبس كلماته رائحة المشمش والتفاح.
وقد يُصلح بين خصمين، أو يُهدّئ قلب زبونٍ مهموم بكلمة: "خذ يا صاحبي، هذه حبة تين، بتعمل عافية".
خاتمة:
كان السَّكاكري من أولئك الذين لا يصنعون الحلوى فحسب، بل يعرّفون الناس بمعنى الحلاوة.
من دكانه الصغير تفوح حياة كاملة: ذكريات وهدوء وطفولة وشمس محفوظة في برطمان.
وحين نمرّ اليوم في السوق المزدحمة، بحثاً عن تلك النكهة الأولى، ندرك أننا لم نكن نشتري فاكهة مجففة، بل كنا نشتري فرحاً يمكن أن نحتفظ به إلى وقت الحاجة.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح