مروان ناصح

مـروان ناصـح / لا ميديا -
المنجّد.. حين كان الصوف يتنفس قبل الشتاء
في الأزقّة التي كانت تنام على هدير المساءات الوديعة، كان المنجّد سيّدًا منسيًّا في طقوس البيوت، يطرق الصوف والقطن كمن يوقظ نعاس الأشياء، ويعيد ترتيب دفء الشتاء وحكايات الليل.
مهنته لم تكن صنعة فحسب، بل احتفالًا صغيرًا بالحياة، يُقام فوق قطعة قماش ممتدّة، وتحت قوس خشبي يهتزّ مثل وترٍ يبحث عن نغم.

البساط السحري.. وطقس الندف
كان المنجّد يصل إلى البيت محمّلًا بصندوقه الخشبي الكبير، وصوته المميّز يسبق خطاه.
وما إن يدخل حتى يتبدّل صمت الغرفة إلى ورشة حياة حقيقية: القماش يُفرد على الأرض مثل بساط سحري، والقطن أو الصوف يتهيّأ لطقس الندف المتوقع، كأنّه يستعدّ لولادته في صورة جديدة.

قوس بلا سهام
أمّا المطرقة -وهي تشبه قوس السهام لكن أكبر حجمًا- فكانت بطلة المشهد. قوس خشبي يُشدّ بين طرفيه وترٌ غليظ، يهتزّ كلما هوى المنجّد به على الصوف.
كان الصوت أشبه برعدٍ منزلي لطيف، يستدعي جيران الحي ليقولوا: «آه.. يبدو أن أحدهم يستعدّ لشتاء دافئ هذا العام».
الصوف ثلج وديع
يمدّ المنجّد القماشة العريضة تحت الفراش أو اللحاف، ثم يبدأ ندف الصوف بضربات متتابعة.
ومع كل ضربة، تتطاير زغبــات خفيفة في الهواء، كثلجٍ وديع، فتضحك الأطفال وتثير فضولهم.
كان المشهد كله يشبه عرضًا مسرحيًا خفيف الظلّ؛ المطرقة تعزف، والصوف يرقص، والبيت يصبح جمهورًا مترقّبًا.

الفراش يتنفس برحابة
كان المنجّد يعرف كيف يوزّع الصوف كمن يوزّع ضوءًا على لوحة.
يرفعه بيد، ويسوّيه بالأخرى، ثم ينظر إليه نظرة الفنان، قبل أن يقرّر ضربة جديدة.
لم يكن يهمه الوقت بقدر ما يهمه أن يتنفس الفراش برحابة، وأن يحسّ صاحبه بأن الدفء ينبع من قلبه لا من مادته.

النساء والذكريات
ومع إيقاع المطرقة المتواتر، كانت النساء يستعدن ذكريات قديمة: ليلة عرس، ولادة طفل، فرح انتقل من بيت إلى بيت.
فالفراش في الزمن الجميل لم يكن قطعة مهملة، بل رفيقًا لأيّام الشتاء الطويلة، يتبدّل شكله كل عام لكنه يبقى شاهدًا على أسرار العائلة.

الطريق إلى الدفء
كان المنجّد، برائحته الممزوجة بالصوف والخشب، يجلب معه شيئًا من الريف، شيئًا من الأصالة، شيئًا من اليدين اللتين تعرفان الطريق إلى الدفء دون خرائط.
فإذا انتهى من عمله، خُيّل لأهل البيت أنّ الفراش الجديد يلمع ببياضٍ لم يكن في الصوف نفسه، بل في الروح التي أعيد ترتيبها.

كأن المطرقة ما زالت تهبط
وعندما يطوي أدواته، يتبقى في البيت صدى ذلك الإيقاع.. كأنّ المطرقة ما زالت تهبط، ولكن هذه المرّة تهبط على الذاكرة، لتوقظ فينا طمأنينة زمن كانت فيه الأشياء تُصنع باليد لا بالآلة، وبالقلب قبل المادة.

خاتمة
هكذا كان المنجّد أكثر من صانع أفرشة: كان مؤنسًا للبيوت، ومصلحًا لشتاء الأرواح، ورسول دفء يتنقّل بين البيوت بخطى لا تعرف العجلة.
ومع كل ضربة من مطرقته، كان الزمن الجميل يمرّ من جديد، يترك أثره الناعم، ثم يختفي.. ولكن ليس من الذاكرة المستيقظة.

أترك تعليقاً

التعليقات