مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
القباقيبي.. صانع الخشب الذي كان يمشي بالحكايات
قبل أن تفرض الأحذية الحديثة قوانينها الناعمة على الأقدام، كان هناك رجل يضع الخشب في حضن الجلد، ويصوغ من المطرقة والمسمار ممرّاً صغيراً للخطى.
ذلك هو القباقيبي؛ صانع القباقيب، رجل يعرف أن لكل خطوة ميزانها، ولكل صرير معنى، وأن الصوت الخشبي الذي يتردد في الحارات ليس مجرد ضجيج، بل نبض حيّ للذاكرة.

ورشة تشبه قلباً نابضاً بالحياة
داخل ورشته الصغيرة، خشبٌ ينتظر أن يتحول إلى مشية، وجلود تتدلّى كشرائط الزمن، ومطرقة تعرف طريقها إلى المسامير، كما يعرف الطائر طريقه إلى عشه.
القباقيب المعلقة على الجدران ليست بضائع، بل لوحات لها روح، لكل قبقاب وزنُه وارتفاعُه وصوته الذي لا يشبه غيره، والقباقيبي يبتسم عندما يسمع رنة خشبه على البلاط، كأنه يرى أبناءه يكبرون ويمشون في البيوت والحمامات.

زبائن من أعمار مختلفة.. وذكريات مشتركة
كان الناس يأتون إليه من كل الأعمار والطبقات: الأطفال يجذبهم اللمعان واللون، والكبار يأسرهم الثبات والراحة... والقباقيبي، بلمسة خبيرة، يزن القبقاب براحتيه، يضبط السير الجلدي بدقة، ويعرف أن التوازن ليس مجرد مسألة قياس، بل فن يحفظ للخطوة كرامتها.

موسيقى الحمامات الشعبية
في الحمامات الشعبية، كانت الأرض الرطبة تستقبل القباقيب كما تستقبل الطبول أول دقّاتها.
تتحرك القباقيب في تناغم جميل، تصنع موسيقى بسيطة صافية. الأطفال يضحكون ويلعبون بأصواتها، والرجال والنساء يبتسمون، فهذا الخشب يحمي الأقدام من البلل والحصى، ويهمس بأن الحياة المرتبة البسيطة يمكن أن تكون أكثر أناقة من كل رفاهيات العصر.

قطعة من الزمن الجميل
القباقيبي لا يبيع خشباً وجلداً، هو يبيع ذاكرةً تمشي، وشريحة من تاريخ يرفض أن يُنسى، ويدخل كل بيت ليقول: إن الجمال يمكن أن يكون بسيطاً، وأن الراحة قد تولد من ضربة مطرقة صادقة.

حين تغيّر الزمن وبقي الصوت
مرّت الأيام، وتبدلت الأحذية وتكاثرت المطاطيات والحديثة؛ لكن القباقيب لم تختفِ تماماً؛ بقيت معلقة في ورشة القباقيبي، كأنها تنتظر من يفهم قيمتها، تحكي عن حياة نظيفة، وحمامات مليئة بالضحكات، وعن زمن كان للصوت معنى ولليد الحِرَفية قداسة.

القبقاب.. حكاية تمشي على قدمين
كان القباقيبي يعلم أن كل قبقاب يصنعه، يخرج إلى الحياة محمّلاً بالقصص: طفل يتعلم أولى خطواته بثقة، امرأة تمشي بخفة الماء في الحمام، ورجل يعود متعباً فيجد في الخشب راحة تشبه حضن البيت، كل خطوة لها حكاية، وكل صرير رواية صغيرة.

خاتمة: ذاكرة لا تموت
رحل الرجل، وتبدلت الأزمنة؛ لكن القباقيب لم تمت؛ بقيت أصواتها ترنّ في ذاكرة البيوت والحارات، تحدّث عن زمنٍ كان بسيطاً لكنه جميل، عن أيامٍ كانت فيها السعادة تصنع من خشب وجلد، وكانت الخطوة رسالة، والصوت ذاكرة، والزمن يمشي على رنة قبقاب.

أترك تعليقاً

التعليقات