«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 75
- مروان ناصح الأثنين , 5 يـنـاير , 2026 الساعة 6:24:27 PM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
حين يخرج سجين الرأي.. ولا تعود الحياة
عن سجناء الرأي ويوميات السجون في شرق المتوسط كُتبتْ مؤلفات كثيرة عظيمة. أما في "الزمن الجميل"، فلم يكن الخروج من السجن انتصاراً دائماً.
أحياناً، كان خروجاً من قيدٍ مرئي، إلى قيود خفية.
وكانت الحرية نفسها محنة جديدة؛ فأنت لا تغادر الزنزانة وحدك، بل تأخذها معك.
في صوتك، في خطواتك، في نومك المتقطع، وفي نظراتك المرتابة إلى كل باب وكل أحد...
الخروج من الماء
حين فتحوا الباب لـ(س)، لم يشعر بشيء؛ لا فرح، لا دموع، ولا حتى صدمة.
شعر بأن الهواء كثير فحسب، كأن رئتيه قد نسيَتا كيف تتنفّسان!
مشهد الحرية كان هادئاً على نحو مُزعج: حارس يتثاءب، موظف يطلب التوقيع على ورقة، وصوت خارجيّ يخترق ذاكرته: "مبروك؛ انتهت المدة!".
لكن أعماقه تعرف أن شيئاً ما لم ينتهِ!
المدينة تغيّرت.. أم هو الذي تغيّر؟!
عاد إلى الشوارع القديمة؛ لكن الأرصفة لم تتذكره، والمقاهي أصبحت شاشات، والأصدقاء إما غادروا، وإما غيّروا مواقعهم!
كل شيء بدا مألوفاً وغريباً في آنٍ واحد!
حتى المرآة، لم تعترف به!
شعر أنه يسير في حياة شخص آخر، كمن خرج من كتاب ليجد العالم مكتوباً بلغة مجهولة!
الأسئلة الثقيلة
الجميع يسأله: كيف كانت السنوات؟ هل عذبوك؟ كم زنزانة مررت بها؟ هل كتبت شيئاً هناك؟...
لكنه لا يجد جواباً؛ فالسجن لم يكن حدثاً، بل زمناً متجمّداً لا يصلح للتلخيص.
وكان أكثر ما يخيفه أن يسمع أحدهم يقول له: "انتهت المحنة"؛ لأن المحنة الحقيقية بدأت الآن!
"مناضل" سابق.. مشتبهٌ به دائماً
في الحي، ينادونه "المناضل"؛ لكن في الدوائر الرسمية، يبقى اسمه معلّقاً في "السجل"!
لا وظيفة، لا سفر، لا سكن دون استدعاءات...
كل شيء يتحرك؛ إلا ملفه؛ وكأنه خرج من السجن ليعيش خارجه، بشروطه!
من سجن القفل
إلى سجن "الحريّة المنقوصة"
في الماضي، كان السجن يُعلَن، وكان لك وقت محدد، وباب تعرف متى يُفتح.
أما اليوم، فالسجن غير مرئي: امتناع عن التوظيف، رفض ضمني في المقابلات، دعوات لا تصلك، ونظرات تُذكّرك: أنت من أولئك الذين "عادوا من هناك"!
وفي الحالتين، الحرية ليست عودة، بل إعادة تكوين.
خاتمة:
خرج (س) من السجن؛ لكن شيئاً ما بقي خلف الباب، وربما... شيء ما خرج معه أيضاً ولم يتركه منذ ذلك اليوم!
في "الزمن الجميل"، كانت الزنزانة باباً ضيّقاً.
أما الآن، فالحرية نفسها قد تصبح جداراً أوسع؛ لكنه من زجاج لا يُكسر ولا يُفتح.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح