«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 136
- مروان ناصح الثلاثاء , 30 يـونـيـو , 2026 الساعة 8:23:50 PM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
فنان الزخرفة.. نسّاج الجدران ومروّض الألوان
كان في الزمن الجميل رجالٌ يحيون الجدار كما تُحيي الروحُ الجسد، يحملون صنائعَ لا تُكتسب في المدارس، بل تُورث في الدم كما تُورث الحكايات.
هم فنانو الزخرفة، الذين جعلوا من الطين معبداً صغيراً، ومن الجدار مرآةً لروح المكان، ومن كل لونٍ لغةً لا تتلعثم.
كانوا يمشون في الأزقة بخفّة الطيور، وفي أيديهم صناديق الخشب المليئة بسرّ المهنة، وعلب الألوان، وريشٌ تُشبه أصابع الضوء.
وحيثما مرّوا، تركوا خلفهم أثراً يشبه الغناء.
فَتْحَةُ الباب.. بداية تُشبه الوحي
كان فنان الزخرفة يبدأ عمله دائماً من عند الباب، كأنه يستأذن البيت قبل أن يلمس جدرانه.
يمسح بيده السطحَ الهادئ، ثم يمدّ ريشته الأولى، بخطٍّ خفيفٍ كنسمة، يختبر معه النبض. تلك اللحظة ليست رسماُ فحسب، بل طقساُ يشبه الصلاة؛ فكل جدار عنده روح يجب أن تُوقظ برفق، وبداية تمنح العمل مهابته الأولى.
خزائن الأسرار القديمة
أغلبهم كان يحمل صندوقاً خشبياً بغطاء صدئ، من كثرة الفتح والإغلاق؛ لكنه كان بالنسبة لهم كنزاً لا يُقدّر بثمن.
في داخله جرارٌ صغيرة، وأكياس مسحوق، وريشٌ ذات رؤوس دقيقة ومسطّحة، وقطع قماش لتعديل النبرة والإضاءة.
وكان الفنان يعرف رائحة كل لون، ويُميّز الأزرق الداكن من الأزرق السماوي، بمجرد لمحه ظلّه على أطراف الريشة، كأنه يُحادث صديقاً قديماً يعرف همسه قبل صوته.
الخطّ العربي..
نَّفَسُ يوقظ المعاني
لم يكن الزخرف مجرّد ورود وعرائش، بل كان يتوّج دائماً بحرف عربي يلمع في وسط الجدار.
كانت يد الفنان تكتب كما تغني، تُسرف في الليونة حين يتطلب القوسُ ليونته، وتشدّ حين ينحني السين، وتتلألأ حين ينهض الألف.
وكثيراً ما كان الحرف هو الذي يفرض على الألوان حدودها؛ فبعض الكلمات لا تقبل إلا الأزرق، وأخرى لا تناسبها إلا الخضرة، وثالثة لا تنطق إلا بحمرة خفيفة تشبه حياء الصباح.
بين الماء والتراب..
مزيج يصنع المعجزة
في الزمن الجميل، لم تكن الدهانات الحديثة قد اجتاحت الأسواق، فكان الفنان يمزج لونه بنفسه: مسحوقاً يُدقّ بدقة قلادة، يُخلط بالماء الصافي، ويُضاف إليه قليل من الغراء الطبيعي.
ذلك المزيج كان يلتصق بالجدار التصاقاُ حميماً، ويبقى لعقود دون أن يفقد بريقه.
وكان الفنان حين يُهيّئ اللون ينظر إليه طويلاً، كأنه يتأكد أن المزيج تحوّل إلى حياةٍ تستحق أن تُنثر فوق الجدران.
صفحة الذاكرة الجماعية
لم يكن الجدار بالنسبة له سطحاً جامداً، بل ذاكرة بيت، وقصيدة عائلة، ووجه مدينة.
كان يرسم على جدران المجالس الريفية سيوفاً وبيارق، وعلى جدران البيوت المتواضعة أغصاناً وزهوراً، وعلى محلات التجارة خطوطاً تبارك الرزق.
وكل جدار كان يحكي قصة أهله، ويُظهر مذاقهم، ويعكس ما في قلوبهم من فرح أو طيبة أو اعتزاز بالتراث.
ورشة يختلط
فيها الطين بالأنفاس
حين يعمل الفنان، تعلّق العائلة أنظارها عليه، وكأنها تشاهد مشهداُ مسرحياً.
الأطفال ينشغلون برؤية تحوّل الأبيض إلى عالمٍ ملون، والنساء يقفن على الباب يتهامسن، والرجال يناقشون معه مكان الكلمة المناسبة، أو الموضع الأفضل للزخرفة.
كان ذلك المجلس ورشةً حقيقية للدهشة، إذ تتشابك الأنامل والأنفاس، ويُصبح الفن حدثاً اجتماعياً لا مجرد عمل.
لحظة التوقيع..
حين يستوي الجدار قصيدة
كان التوقيع آخر اللمسات، يأتي خفيفاً، متواضعاً، أشبه بظلّ الريشة.
يكتبه الفنان في زاوية صغيرة، اسمه أو حروفه الأولى فقط، كأنه لا يريد أن يزاحم الجمال الذي صنعه.
وبعدها يبتعد خطوتين أو ثلاثاً، يتأمل العمل للمرة الأخيرة، ثم يبتسم تلك الابتسامة الخاصة، التي لا يبتسمها إلا من أودع قلبه في لونٍ ثابت، لا يزال يلمع فوق الجدار.
خاتمة:
رحل معظم أولئك الفنانين، وبقيت أعمالهم شاهدةً أن الجدار في الزمن الجميل لم يكن مجرد حدود، بل كان نافذة على الجَمال، وسطراً من كتاب التراث، وذكرى لروحٍ لا تزال تُرفرف فوق الأزقة. ولولا أيديهم، لظلّت البيوت صامتة، والأسواق بلا أناشيد، والذاكرة بلا ألوان.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح