مروان ناصح

مروان ناصـح / لا ميديا -
بائع الثلج.. صديق الصيف الفقير
قبل أن تغزو الثلاجات كل بيت، وقبل أن يصبح البرد ضغطة زر، كان الثلج يُشترى كما يُشترى الخبز، ويُنتظر كما تُنتظر الرحمة في قيظ الصيف.
وكان بائع الثلج سيّد البرودة الوحيد في الحي.

قالب أبيض أثقل من التعب
يحمل على كتفه قالبًا شفافًا، يلتف بالخيش المبلل، ويقطر ماءً كأنه يتعرّق بدلا منّا.
لم يكن الثلج خفيفًا، لكن الحاجة كانت أخفّ على القلب حين يصل.

جرس لا يُخطئه السمع
رنّة معدنية قصيرة، تكفي ليخرج الأطفال حفاة، وتطلّ الأمهات من النوافذ.
ذلك الجرس كان إعلانًا غير رسمي: الحرّ انكسر قليلًا.

ميزان الخشب والمنشار الغليظ
يقف في الظل، يقطع القالب بسكّين أو بمنشار عريض، فتتناثر الشظايا كبلورٍ حيّ.
شبر.. فتر، كان يقيس الكمية بالأصابع، فالبرودة كانت تُقاس بالعدالة.

الثلاجة الفقيرة
صندوق خشبي مبطّن بالزنك، يوضع فيه الثلج ككنز مؤقت.
يعيش ساعات ثم يذوب، لكن تلك الساعات كانت تُنقذ الطعام وتُبرد الحياة.

الأطفال وفتات البرد
كان يصنع "البشْرة" للصغار والكبار: يفتت الثلج بآلة صغيرة في كأس.. ويسقي البرْد المبشور بشراب حلو ملون.
لكن أجمل ما في المهنة ليس البيع، بل ما يتساقط من قطع صغيرة تُمنح للأطفال، يمصّونها بفرح، كأنهم يمسكون الصيف من ذيله.

مهنة بلا ترف
يعمل مع الظهيرة، وينتهي مع المغيب، يُطارده الحر، ويحمله على كتفه.
لم يكن غنيًا، لكنه كان ضروريًا.. وهذا أعلى وسام.

حين ذاب مع الزمن
دخلت الثلاجات البيوت، واختفى النداء، وسكت الجرس.
لم يُعلن أحد تقاعده، فالمهنة ذابت كما يذوب الثلج بهدوء.

خاتمة
بائع الثلج لم يكن يبيع البرودة، بل كان يوزّع استراحة مؤقتة من الحر.
علّمنا أن النعمة قد تكون مؤقتة، لكن أثرها طويل.
وفي زمن البرد الدائم، نحن أكثر حنينًا لذلك الرجل الذي كان يحمل الصيف ويكسره بسكّين أو منشار.

أترك تعليقاً

التعليقات