«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 138
- مروان ناصح الأحد , 5 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:36:37 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الزَّهّار.. شاعرٌ يبيع الورد ويكتبُ حياةً أخفّ وأجمل
في زمنٍ كان الناس فيه يمشون على مهل، وتتنفّس الأزقّة عبيرها قبل أن تصحو، كان الزهّار يقف أمام محله الصغير وقد جعل من الورد لغته، ومن العطر رسالته، ومن كل باقةٍ قصيدةً تتفتّح بين يديه.
لم يكن بائعاً، بل كان شاعراً سرّياً يخطّ بالحبر ما تعجز عنه القلوب الخجلى، ويرسل مع زهراته رسائل لا يجرؤ أصحابها على قولها بصوت مسموع.
حين يتكلّم الندى
يبدأ يومه قبل الشمس. يرسم على وجوه الزهور ابتسامة بلّورية من رشّات الماء الأولى.
كأنَّ الليل يترك له وصاية الضوء، فيوقظ عيون الأقحوان، ويمشّط خصلات الياسمين، ويعدّل وقفة الجوري كي تبدو أكثر ثقة بجمالها.
ومن خلف دكّانه ينساب صوت خافت يشبه التنهيدة. إنه صوت الورد وهو يستعدّ ليوم جديد.
غرفةُ قلبٍ مفتوح
ليس متجراً، بل محرابٌ للبهجة: ألوان تتناوب مثل مقامات موسيقية، أحمر يشبه خفقاناً مفاجئاً، وزهريّ يمشي بخجلٍ نديّ، وبنفسج يختبئ في الظلال كفكرة تنتظر الاعتراف.
يدخل الزبون فيشعر أنه مشى إلى داخل قصيدة، وأن الهواء حوله صار ألين من نيّاته.
.. "دع الزهرة تختارك"
كان يرفض أن يبيع الورد عشوائياً. يطلب من الزبون أن يصمت قليلاً، أن يترك قلبه يلمس اللون، ثم يقول بابتسامته التي تتقن الإصغاء: "الزهرة تعرف طريقها؛ لا تُقاومها".
لذلك كان كل من يخرج من دكّانه يحمل باقة تشبهه، كأن الورد نسخةٌ مطبوعة من روحه.
كتابة البطاقات.. حين يصبح الزهّار شاعراً بأجرة رمزية
كثيرون كانوا يشترون الباقة، ويقفون أمامه في حرجٍ صامت، كأن الكلمات تخونهم!
عندها يفتح دفتره الصغير ويقول: "لمن الهدية؟ وما لونُ قلبك اليوم؟".
ثم يكتب:
- للعاشق: "بين يديك تتفتح الأيام"!
- وللاعتذار: "ما زلتُ أراك أجمل من أخطائي"!
- وللصديق: "هذه الوردة تحمل نصف ضحكتك"!
كان بذلك يبيع باقةً برسالة، ويبيع رسالةً بقلبٍ كامل.
يومياته.. قصصٌ تمشي على ساقين من عطر
تمرّ عروس تتلعثم، فيساعدها على اختيار الورد "الذي لا يخون الصورة في الألبوم".
يأتي طفل صغير يريد وردة لأمه "التي تعبت كثيراً"، فيناوله زهرةً أكبر من يده بقليل، ويحنو عليه كما لو أنه يعطيه مفاتيح الفرح!
وقد يدخل شاب بوجه متجهم، فيشمّ الزهّار حزنه قبل أن ينطق، ثم يناوله باقةً هادئة: "خذ هذه؛ إنّ الروح تحتاج ظلاً من الورد".
أصابع تحفظ سرّ الضوء
كان يؤمن بأن لكل زهرة ساعة فرحها وساعة حزنها. وكان يعرف متى تظمأ، ومتى تخجل، ومتى ترغب في الضوء...!
لم يتعلّم ذلك في الكتب، بل من صحبةٍ طويلة مع الورد، حتى صارت أصابعه تحفظ نبرة الرائحة، وصار قلبه يعرف متى تموت زهرة، ومتى تولد حديقة!
الليل.. حين تُطفئ المدينة ضوءها وتُشعل الزهور همسها
في آخر النهار، يجمع الأوراق المتساقطة كأنه يلمّ شظايا يومٍ جميل.
يرشّ على الأرض قليلاً من ماء الورد، ويترك أصيصاً صغيراً عند الباب "ليبارك العابرين"، كما يقول.
ثم يجلس على كرسيه الخشبي، يراقب النجوم وهي تتدلّى فوق الأزقّة، ويفكر بأن الورد، رغم هشاشته، هو الذي يجعل العالم أقلّ قسوة.
خاتمة:
هكذا كان الزهّار في الزمن الجميل: رجلاً بسيطاً؛ لكن قلبه كان أوسع من دكّانه، وأعمق من جذور نباتاته، وأجمل من كل الباقات التي مرّت بين يديه.
كان يعرف أن العطر يُصلح ما أفسدته الأيام، وأن المدن لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بزهرٍ يبتسم في الطرقات، وبائعٍ طيّب يخفي في جيبه قدرة سرية على إصلاح مزاج الدنيا.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح