«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 88
- مروان ناصح الثلاثاء , 27 يـنـاير , 2026 الساعة 12:03:28 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
حين كان القارئ يشرب الضوء من الحروف
كانت المقاهي تفوح برائحة الورق، والمكتبات الصغيرة تضجّ بالهمس النبيل للصفحات.
وكان القارئ، قبل أن يغزو العالمَ ضجيجُ الشاشات، ينصت إلى نفسه من خلال الكتب، كأنّ القراءة نوعٌ من الصلاة لا يُؤدَّى في المعابد وحدها، بل في القلب أيضاً.
كان القارئ في الزمن الجميل يشبه العاشق الذي يكتب في الخفاء لحبيبٍ يسكن الحروف، لا ينتظر منه جواباً، بل يكتفي بأن تهتزّ روحه مع كل سطر.
كان يمسك الكتاب كما تُمسك الرسائل المعطرة القديمة: بحذرٍ، وامتنانٍ، وخفقةٍ من الرهبة تشبه الصلاة الأولى.
وإذا بدأ صفحةً، حبس أنفاسه كمن يغوص في نهرٍ من الكلمات، وإذا أغلق الغلاف، ظلّ عبير الصفحات عالقاً في ذاكرته أياماً طويلة.
رفيق الطريق لا راكب العربة
في ذلك الزمن، لم يكن القارئ يلهث نحو نهاية الرواية، بل يسير على مهلٍ نحو بدايةٍ جديدةٍ لنفسه.
كان يقرأ الشعر كما يتوضأ بالنور، ويقرأ القصة كمن يدخل بيتاً غريباً فيسلّم على أهله بخشوعٍ وفضولٍ جميل.
كان الحوار بين الكاتب والقارئ يتمّ في صمتٍ من ذهب: الكاتب يكتب، والقارئ يومئ له من عمق الداخل: "أنا معك... أكمل!".
وكم من كاتبٍ غيّر أسلوبه؛ لا لأن ناقداً أشار، بل لأن قارئاً مجهولاً في مقهى أرسل له بخطّ مائل: "أحببتك؛ لكن لغتك هذه المرّة أقلّ نضارة".
مكتبات البيوت.. لا ديكور فيها
كانت المكتبات أركاناً تنبض بالحياة، لا رفوفاً ميتة للعرض.
الكتب فيها تتمدّد على الطاولات مثل قططٍ مدلّلة، وأحياناً تسقط من الرفوف كأنها اشتاقت إلى الأيدي.
وكان الطفل يرى في أبيه قارئاً أكثر مما يراه ربّ أسرة، فيتعلّم أن يحمل الكتاب كما يُحمل رضيع من الحلم، وأن يقرأ الصفحة كما تُقرأ رسالةٌ من جبهةٍ بعيدةٍ في زمن الحرب.
السوق تدخل على الخط
وحين صارت الكلمات تُقاس بعدد النسخ والمشاهدات، تحوّل القارئ إلى رقمٍ في جداول المبيعات، وصار الناشر يسأل الكاتب: "كم لديك من متابعين؟"، لا: "كم فيك من شغفٍ؟".
صار القارئ يركض خلف الأسماء اللامعة، كما تلاحق الفراشات الضوء، لا المعنى.
فغاب العشق، وحضر الاستهلاك.
تحوّل القارئ من شريكٍ في الحلم إلى زبونٍ في معرضٍ للسرعة، ومن مستمعٍ للنبض إلى متفرّجٍ على الصدى.
ولم يعد يسأل: من الكاتب؟ بل: كم سعره؟
صار بعض القرّاء يشترون الكتاب كما تُشترى علبة شوكولا فاخرة: بسرعةٍ، ودهشةٍ مؤقتة، ونسيانٍ فوريّ.
ولم تعد "المكتبة" مكاناً يتربّى فيه القلب، بل رفاً رقمياً في هاتفٍ ذكيّ يختفي عند أول إشعارٍ من تطبيقٍ تافه.
رغم كل شيء...
رغم كل ذلك، ما زال الأمل يسكن بين السطور.
ما زال هناك قرّاءٌ حقيقيون، لا يُعرفون بالصور ولا بالتعليقات، لكنّهم يقرؤون في الليل كما تُقرأ الصلوات السرّية، ويذرفون دمعةً عند جملةٍ لم يدرِ الكاتب نفسه كيف انبثقت.
يعيدون قراءة الكتاب بعد سنواتٍ فيكتشفون أن الكتب تكبر معهم كما تكبر الذكريات.
خاتمة:
في الزمن الجميل، كان القارئ يعيش مع الكتاب كما يعيش الحبيب مع الحلم، لا يستهلكه.
وكان الكاتب يكتب له كما يكتب لعينيه المضيئتين في عتمة العالم.
كانت العلاقة بينهما ندّيةً، راقيةً، مليئةً بالتواطؤ الجميل على الجمال.
أما اليوم، فقد غلبت العجلة على التأمل، والإعجاب على الفهم.
ومع ذلك، مازال هناك من يقرأ كما في الزمن الجميل؛ أولئك الذين نكتب من أجلهم، ونحيا بين صفحات أرواحهم.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح