مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
النحّاس.. سيّد الإيقاع الأرضي
في الأزقة القديمة، قبل أن تبتلع المولات صدى الطرقات، وتخمد موسيقى الأسواق، كان دكّان النحّاس أشبه بمسرحٍ تتراقص عليه الشرارات.
هناك تُغنّي المطارق على الصفائح الصفراء، وتتعانق النار مع المعدن في رقصةٍ صاخبة، تُعيد للعالم دقّات قلبه الأولى.
لم يكن النحّاس في الزمن الجميل صانع أوانٍ فحسب، بل سيّد الإيقاع الأرضي، يضبط نبض الحارة بمطرقته، كأنّ العالم لا يستيقظ إلا على لحنه.

قائد الأوركسترا الشعبي
كان يجلس وسط ورشته كقائد أوركسترا من عصرٍ مفقود.
أمامه صفائح لامعة كوجوهٍ تنتظر الولادة، وحوله أدوات مصطفّة بدقّةٍ تليق بذاكرةٍ لا تخون.
يضرب بإيقاعٍ موزونٍ تتناوب فيه القوّة والرفق، وكأنّه يحدّث المعدن بلغةٍ لا تُقال، بل تُطرَق.
الشرارة التي تتطاير من طرف المطرقة، كانت رسالته المضيئة إلى السماء.

حين اكتشف الخليل
موسيقى النحاس
يُروى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي مرَّ ذات يومٍ بسوق النحّاسين في البصرة، فاستوقفته نقرات المطارق المنتظمة.
أنصت طويلًا ثم قال مبتسمًا: "لقد وجدت البحر في المعدن".
ومن يومها، صار الإيقاع علمًا، وصار للغة وزنٌ يُقاس على دقات النحاس.

الشاعر بالنار
النحّاس لا يكتب بالحبر، بل بالنار.
يصهر المعدن حتى يحمرّ كوجه خجول، ثم يعيد تشكيله بأنامل تعرف كيف توازن بين القسوة والرحمة.
كلّ طرقةٍ على صفائحه بيتٌ من قصيدةٍ لا تُكتب، وكلّ وعاءٍ يخرج من بين يديه يحمل صدى أنفاسه الأولى.
تتشكل الصواني والفوانيس وكأنها مقاطع من لحنٍ أزليّ، عزفته النار وأكملته أنفاس الإنسان.

نشوة العمل.. صلاةٌ بالنار
لم يكن يرى في عمله تعبًا، بل نشوةً تشبه الصلاة.
حين يطرق على النحاس، يسمع موسيقى لا يسمعها غيره: نغمة تشبه ارتطام الموج بالصخر، أو وجيب القلب حين يشتعل حبًّا.
ولذلك كان وجهه دائمًا مضيئًا بلمعةٍ لا تأتي من النار وحدها، بل من السلام الداخلي الذي يسكبه العمل في روحه.

سيمفونية الحيّ
كان لأصوات المطارق نكهةُ الألفة في الحيّ.
الأطفال يلعبون على الإيقاع، والنساء يعرفن أن وقت الغداء حان حين تخفّ النقرات.
أما الغرباء فكانوا يقفون مأخوذين أمام هذه السيمفونية الشعبية، حيث لا كمان ولا عود، بل نحاسٌ يغنّي بلغته الخاصة، في قلب السوق المزدحم برائحة العرق والنار وعشق المهنة.

النغمة الأخيرة
وحين يهبط المساء، يطفئ النحّاس فرنه، كما يطوي موسيقيٌّ نوتته الأخيرة.
ينظر إلى أعماله المتلألئة تحت الضوء، ويبتسم قائلاً لنفسه: "لقد صنعت اليوم موسيقى لا تصدأ".

خاتمة
كان النحّاس في الزمن الجميل سيّد الإيقاع والوهج، يصوغ من الجهد جمالًا، ومن النار حياة.
منه تعلّمنا أن الفنّ ليس حكرًا على الريشة أو القلم، بل يسكن في المطرقة حين تلامس المعدن فتعيد للحياة موسيقى الروح.

أترك تعليقاً

التعليقات