مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
ناسج الشباك.. حين كانت الخيوط تُحاكي البحر
في الزمن الجميل، قبل أن تُباع الشباك ملفوفة في أكياس بلاستيكية، كان هناك رجلٌ في طرف الحارة، أو تحت ظلال النخيل، أو قرب الميناء... ينحني فوق خيوط من الكتان أو النايلون، ينسج شبكة ليست فقط أداة صيد، بل خريطة للرزق، وتفاصيل دقيقة تشبه التطريز؛ لكنها مغمّسة بالماء والانتظار.

مهنة تتطلب صبراً دقيقاً
ناسج الشباك لم يكن يعمل بسرعة، بل بإيقاع يشبه إيقاع المدّ والجزر. كل عقدة لها مكان، وكل فتحة تُحسب بمقاس السمكة. وكانت اليدان تعرفان طريقهما وحدهما، تكرران  الحركة نفسها ساعات طويلة، دون ضجر، لأن الخطأ الصغير قد يعني شباكاً لا تصيد.

اختيار الخيط.. وطقوس الغزل
لم تكن كل الخيوط تصلح للبحر، فهناك خيوط تصلح لصيد "السلطان إبراهيم" وأخرى لـ"اللقس"... وكان الناسج يختبر المتانة والمرونة، ثم يبدأ "التسنين" و"التوسيع"، في طقس يشبه الحياكة؛ لكنه مبلل بالحكاية، وكأن الشبكة تتشكل مثل القصيدة الحرة، لا تعرف القافية؛ لكنها تحفظ اللحن.

من جيل إلى جيل
كثير من النساجين تعلّموا المهنة من آبائهم. كان الطفل يبدأ من "ترقيع الشبكة"، ثم ينتقل إلى عقد الزوايا، حتى يتقن "النسج الكامل". وكانت هناك شبكات تشتهر باسم ناسجها، فالصياد يقول: "هات لي شبكة أبو سمير.. ما بتفلت سمكة".

صيانة الشباك.. فن مستقل
بعد كل رحلة صيد، تعود الشبكة متعبة، مقطوعة، معقودة من الغضب، فيُحضِر الناسج أدواته الصغيرة: المخرز، الشوكة، والإبرة الطويلة، ويبدأ رحلة “د"الرتق"، وكأنّه يُعيد شفاءها من جرح البحر، وكانت تلك الصيانة أكثر تعقيداً من النسج، فهي إصلاح لما أفسده الموج والسمك والقدر.

الشباك الجاهزة.. وموت الحرفة
اليوم، تُستورد الشباك من مصانع بلا أسماء، بمقاسات موحّدة، وألياف صناعية لا روح فيها. اختفى الناسج، أو بقي كذكرى في الصور، وبدأت مهنته تتآكل مع الوقت، لأن أحداً لم يعد ينتظر شيئاً يُصنع يدوياً، ولو كان خيط الرزق.

المقارنة مع الحاضر
في أسواق اليوم، لا أحد يسأل من نسج الشبكة، بل "كم متر؟ وكم السعر؟". غابت المهارة، وغابت العلاقة الشخصية بين الصياد والشبكة.
بينما كان في الزمن الجميل، كل شبكة تحكي قصة يدٍ، وساعة شروق،  وغنوة خفيفة بين العقد.

خاتمة:
في الزمن الجميل، كان ناسج الشباك شريكاً غير مرئي في رحلة البحر، رجلاً لا يُبحر، لكنّ رزق البحّارة يمرّ من بين أصابعه. واليوم، بين الخيوط الجاهزة والأقمشة المتكررة، نفتقد تلك العقدة التي كانت تُحاك بالصبر، وتُربط بالنية، وتمتدّ بين الشاطئ والموج كأنها خيط محبة لا يُقطع.

أترك تعليقاً

التعليقات