مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الإسكافي.. طبيب الخطو وحارس الرحلة
قبل أن نقطع الطريق، وقبل أن نتعب، كانت هناك يدٌ تُصلح ما يلامس الأرض أولاً.
الإسكافي لم يكن مجرد مصلّح أحذية، بل رفيق سفر صامتاً، يعرف أن القدم إن تعبت تعب معها الحلم.

عيادة المشي
دكان الإسكافي صغير؛ لكنه ممتلئ بالأثر.
رائحة الجلد، مسامير دقيقة، مطرقة خفيفة تطرق كأنها تنبّه الطريق.
الأحذية مصطفّة كمرضى ينتظرون دورهم، لكل واحد قصة مشي، وفرح، وتعب طويل.

ذاكرة الأقدام
الإسكافي يلمس الحذاء كما يلمس طبيب نبض مريض.
يعرف من التآكل كيف كانت الخطوة، ومن الانثناء كم مرّة توقّف صاحبها.
الجلد عنده ليس مادة ميتة، بل سجلّ رحلة.

جراحة دقيقة
الإبرة تدخل وتخرج بهدوء، والخيط يشدّ دون قسوة.
كل غرزة قرار أخلاقي؛ إما أن تطيل عمر الحذاء، 
وإما أن تخونه بعد مسافة قصيرة.

أقدام مختلفة ومصير واحد
يأتيه العامل بحذاء أنهكه النهار، والتلميذ بحذاء سبق عمره، والفلاح بطين عالق كذكرى عنيدة.
الإسكافي لا يسأل كثيراً؛ يعرف أن الطريق هو القاسم المشترك بين الجميع.

نعال غير مرئية
إصلاح الحذاء عمل لا يحتمل العجلة.
غراء يحتاج وقتاً، وخيط يحتاج ثباتاً، ونعل يجب أن يُعادله كي لا يخون القدم.
الصبر هنا ليس خياراً، بل شرط استمرار المشي.

الإسكافي والزمن
مع الأحذية الجاهزة والاستهلاك السريع، كاد الإسكافي أن يختفي.
لكن من يعرف قيمة الطريق، يعرف أن بعض الأحذية تستحق فرصة ثانية.

خاتمة:
الإسكافي لا يصنع الأحذية؛ لكنه يمنحها حياة إضافية.
وحين نغادر دكانه، نمشي مطمئنين، كأن الأرض أصبحت ألين.
في الزمن الجميل، كان الإسكافي يحرس خطوات الناس، واحداً واحداً، دون أن يسأل: إلى أين؟

أترك تعليقاً

التعليقات