«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة ١٠5
- مروان ناصح الثلاثاء , 7 أبـريـل , 2026 الساعة 12:36:19 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
حين كانت البقالة مستودعاً للأسرار
حين نفتح دفاتر الذاكرة، ونستنشق غبار الرفوف القديمة، ندرك كيف كان الدفء يتسرب من المصافحة قبل البيع، ومن الابتسامة قبل الفاتورة.
وحين نذكر "البقالة" القديمة، فإننا لا نستحضر مكاناً بقدر ما نستعيد مشهداً حميمياً من الطفولة، حيث تختلط رائحة القهوة برائحة الصابون، وحيث البساطة لا تزال تملك مفاتيح القلوب.
مساحة باتساع الذاكرة
لم تكن البقالة يوماً مشروعاً تجارياً ضخماً، بل كانت كوة صغيرة في جدار الحياة اليومية، يتدلى على بابها مصباح أصفر يترنّح تحت نسمة المساء، ووراءه يقف البقّال كحارس ودود لذاكرة الحيّ.
لم تكن المساحة تقاس بالمتر المربع، بل بالعلاقات الإنسانية الممتدة بينه وبين زبائنه.
كل زاوية فيها تعرف أسماء الأطفال وأعياد ميلادهم، وكل علبة فيها تحفظ أسرار البيوت.
وثيقة الشرف الشعبي
في زمنٍ لم تكن فيه البنوك تعرف وجوه الفقراء، كان البقال يحتفظ بدفتر صغير، هو أشبه بـ"عقد ثقة" لا يحتاج إلى توقيع. تكتب فيه أسماء العائلات بالرصاص، وأرقام المشتريات بخطٍّ مائلٍ يشبه الحنان.
وحين يتعثر أحدهم عن السداد، لا تُغلق الأبواب، بل تُفتح القلوب. يبتسم البقّال ويقول: "الدَّين ما بيعيب، العيب إنك ما ترجّع"!
عبارة تختصر فلسفة العطاء في زمنٍ كان الكرم فيه أسبق من الربح.
عالمٌ مصغّر من الاكتفاء
لم تكن البقالة تزهو بعشرات العلامات التجارية، ولا بشاشات الأسعار، بل بصفٍّ متواضع من العلب المعدنية والعبوات الورقية: سردين، سكر، شاي، رز، علب الدخان الرخيصة، علكة بطعم الخوخ...
لكنك وأنت تقف أمامها كنت تشعر بأنك أمام الكون كله في هيئة بسيطة.
كان الغنى في القناعة، والترف في الرضا، والاكتفاء فناً يومياً يمارسه الجميع بلا خطب ولا شعارات.
وزير العلاقات الاجتماعية
كان البقّال يعرف مَن وُلد، ومَن سافر، ومَن عاد، ومَن تأخر عن المدرسة... يعرف وجع الأرامل، هموم الآباء... ويملك حقّ "فضّ" خلافات الجيران قبل أن تصل إلى المختار.
ولأنه كان مرآة الحي، فقد صار لسانه أكثر صدقاً من نشرات الأخبار. يهمس بسرّ، ويبتسم لخبرٍ سعيد، ويمنح الطفل علكة "مكافأة" إن قال "صباح الخير" بأدب.
في ذلك الدكان الصغير كانت العلاقات الإنسانية تُوزن بالكيلو والابتسامة.
أطفال الأمس.. زبائن العمر
كان الأطفال يدخلون البقالة بخجلٍ أو بنقودٍ رطبة من عرق اليد، ينتظرون دورهم كما ينتظر الحلم موعده.
يركضون بعدها بعلكة أو سكاكر مربوطة بخيط، فتتحول البقالة إلى حديقة فرحٍ مصغّرة، يتعلم فيها الصغار معنى الشراء، ومعنى الانتظار، ومعنى الامتنان.
ومن تلك التفاصيل الصغيرة تولد أولى دروس الحياة: أن كل شيء يُنال بلطفٍ وصبر.
حين يرث الابن مكان أبيه
يمرّ الزمن، وتتغير وجوه الحارة؛ لكن البقالة تبقى شاهدة على دورة الحياة.
يمرض الأب، فيقف الابن خلف الطاولة الخشبية نفسها، بنظرة أقل خبرة، لكنها مفعمة بالحبّ ذاته.
تتبدل البضائع، وربما الألوان؛ لكن رائحة صابون الغار تظلّ في المكان، كما تبقى ملامح الأب في ملامح الابن.
هكذا تتوارث الحارات ذاكرتها كما تتوارث العائلات أسماءها.
هل كان الزمن جميلاً حقاً؟
ربما لم يكن الزمن جميلاً في ذاته؛ لكن الناس كانوا أجمل، حين كانت الكلمة تكفي، والنية تغني عن التوقيع، وحين كان دفتر الدين دفتراً للثقة، لا للحساب.
في تلك الأيام، لم نكن نملك الكثير؛ لكننا لم نفتقر إلى الدفء.
كان الحياء نظاماً اجتماعياً، والبساطة فلسفة حياة، ومن أبسط الأشياء كانت تولد أعذب الحكايات.
خاتمة:
في "الزمن الجميل"، لم تكن البقالة مجرد محلٍّ للبيع، بل كانت زاوية إنسانية تُذكّرنا أننا بشر قبل أن نكون زبائن.
لم تكن تملك نظاماً محوسباً، ولا عروضاً تسويقية؛ لكنها كانت تملك ما فقدناه اليوم: الثقة، الدفء، ونكهة العلاقات البسيطة.
ذلك الزمن لم يكن كاملاً؛ لكنه كان صادقاً؛ ولهذا، بقي جميلاً في الذاكرة، وإن خرج مطروداً من أيامنا إلى غير رجعة!










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح