مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الحكواتي.. آخر حرّاس الحكاية في مقاهي الزمن الجميل
حين كانت الليالي تُضاء بصوت الإنسان لا بضوء الشاشة، وحين كانت القهوة تُشرب على مهل، كانت المقاهي تتحوّل كل مساء إلى مسارح صغيرة، يقف في صدرها "الحكواتي".
سيّد الحكاية، وراوي الدهشة، وحارس الذاكرة الشعبية. 
كان يفتح كتاب الليل، ويقرؤه على الناس بصوته، فتتوحّد القلوب في حضرة السرد.

عرش خشبي وكتاب مفتوح على الخيال
كان للحكواتي مقعد مرتفع، وكتاب عتيق، وعصا صغيرة يضرب بها على الطاولة حين يحتدم المشهد.
لكن عرشه الحقيقي كان عيون المستمعين، وكتابه الأصدق هو ذاكرته المضيئة بالحكايات.

صوت يصنع العوالم
بصوته وحده، كان يبني مدناً، ويشعل حروباً، ويُحيي فرساناً، ويُسقط طغاة.
يرفع نبرته فتشتعل المعركة. يخفضها فتسيل الدموع. يبتسم فتبتسم الأرواح معه.

وطن مؤقت
حين يبدأ الحكواتي، ينسى الناس تعب النهار، وضيق العيش، وهموم الغد.
يصير المقهى وطناً صغيراً، والحكاية جواز سفر، والصوت ملجأً من قسوة الواقع.

ذاكرة الشعب ولسان أحلامه
لم يكن الحكواتي يروي للتسلية فقط، بل ليحفظ التاريخ الشعبي، والأساطير، والبطولات، والحِكَم، والأمثال...
كان مؤرّخ الفقراء، وشاعر البسطاء، ومفسّر أحلام الجماعة.

حين دخل الراديو بلا استئذان
ثم جاء الراديو، يحمل أصواتاً بعيدة، وحكايات جاهزة، وأبطالاً بلا وجوه.
دخل البيوت والمقاهي، وانتزع الأذن من الحكواتي، وسرق منه جمهوره، وتركه وحيداً على مقعده الخشبي.

أفول النجمة القديمة
تدريجياً، خفت الصوت، وبهت الحضور، وانطفأت السهرات.
صار الحكواتي ذكرى، وصار الكتاب زينة، وصارت العصا بلا معنى.
واندثرت مهنة كانت تجمع، بين الفن، والأدب، والمسرح، والتربية.

حكايات بلا روح
حلّت الشاشات محل العيون، والمقاطع السريعة محل السرد الطويل، والضجيج محل الإصغاء.
صرنا نسمع كثيراً، ونشعر قليلاً. غابت تلك العلاقة الحميمة بين الراوي ومستمعيه.

خاتمة:
الحكواتي لم يكن رجلاً يحكي، بل زمناً كاملاً يتكلّم، وروحاً جماعية تتنفّس، وجسراً بين الواقع والحلم.
وحين خسرناه، لم نخسر مهنة فحسب، بل خسرنا طقساً إنسانياً نادراً، كانت فيه الحكاية صلاة مسائية، والصوت دفئاً، واللقاء حياة.
ويبقى الحكواتي، مهما ابتعد، شاهداً على زمن كانت فيه الكلمة تُروى، لا تُستهلك؛ وتُعاش، لا تُمرَّر.

أترك تعليقاً

التعليقات