مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
القبّاني.. سيّد الأمانة على القَبّان
في قلب السوق العتيق، حيث تتكدّس الحبوب والبضائع، في أكياس ضخمة مثل كنوز صامتة، وحيث تختلط الروائح: قمحٌ، شعيرٌ، تمرٌ، صوف، وتوابل تُداعب الذاكرة، يقف القبّاني شامخًا خلف ميزانه، كقائد أوركسترا يضبط إيقاع البيع والشراء.
ليس سيد المكان بصوته، بل بدقّته، ولا يملك سلطة إلا ميزانًا.. لكنه يحكم به العدالة.

القبّان السحري
لم يكن القَبّان أداة وحسب، بل مسرحًا صغيرًا من الحديد، بقاعدة مستطيلة تتسع للبضاعة، وظهر عمودي مستقيم ذي ساعد مرقّم تنزلق عليه كرة بيد القباني وهي تصدر همسة خفيفة، كأنها نغمة موسيقية تسبق القرار.
والوزن يتحوّل أمام العيون إلى عرض حيّ، تمتزج فيه الدقة بالدهشة.

أمام مخازن كبار التجّار
أمام مخازن البضائع المختلفة يقف القبّاني بثبات الحكماء.
التجّار يراقبون أنفاس الكرة، والزبائن يعلّقون قلوبهم على توقفها.
كل رقم شهادة، وكل توقّف وعدٌ بالعدل، وكل حركة توقيع غير مكتوب على وثيقة الثقة.

الزبائن والحكايات
يتحلّق الأطفال حوله، عيونهم تلمع بالأسئلة: كيف تمشي الكرة؟ ولماذا وقفت هنا؟
فيبتسم القبّاني، كمن يعرف سرّ لعبة كونية، ويهمس لهم: "للوزن روح.. ومن يفهمها لا يخطئ".

الألعاب البصرية
تمشي الكرة ببطء، تتردّد، ثم تستقر فجأة، كراقصة أنهت حركتها الأخيرة.
يصمت الجمهور لثوانٍ، ثم يعود للضجيج. ويعيد القبّاني الكرة، ليبدأ العرض من جديد، مرة بعد مرة، بصبر ناسك، ودقّة فنان.

الحياة اليومية للقبّاني
يبدأ نهاره بتفقد ميزانه، يمسح ساعده المرقّم كمن يلمّع مرآته، يختبر حركة الكرة، ويطمئن لقلب القَبّان.
الناس يعرفون: هنا لا غش، لا زيادة، ولا نقصان.. هنا يقيم العدل في ميزان كبير.

في مواجهة الجديد
جاءت الموازين الحديثة، بشاشاتها الباردة وأزرارها الصامتة، فتراجع القبّاني خطوة إلى الذاكرة.
لكن صورته بقيت في الألبومات، وفي حكايات الناس، وفي أسماء العائلات المتوارثة، ومنها مشاهير: أبو خليل القباني مؤسس المسرح العربي، والشاعر الكبير نزار قباني.

القبّاني.. رمز الصبر والدقّة والبهجة
لم يكن موظف وزن، بل شاعر أرقام، ورسّام حركة، وراقصًا بلا موسيقى.
كل كرة، كل رقم، كل توقّف، كان نشيدًا صغيرًا للعدل والجمال.

خاتمة
اختفى القبّاني، لكن روحه لم تختفِ.
ما زالت تسكن كل ميزان نزيه، وكل يد تخاف الظلم، وكل قلب يحبّ الدقّة.
فالزمن الجميل لا يموت، إلا حين ننسى أن أعظم القيم تسكن أبسط التفاصيل.

أترك تعليقاً

التعليقات