مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الغوّاص.. حارس الأسرار بين البحر والنهر
بين الموج المالح وسواحل المدن التي تعيش على أنفاس الماء، كان يقف رجل يعرف أن البحر لا يرحم، وأن كل غوصة ليست مجرد حركة نحو العمق، بل رحلة بين الحياة والموت، بين الكنز والفقدان.
ذلك هو الغوّاص.. رجل يسكن قلب الماء، وتسكُن الشجاعة قلبه.
تعوّد أن يهبط إلى العتمة بطمأنينة، ويصعد منها وهو يحمل على كتفيه حياة، أو شيئًا ثمينًا عاد إلى صاحبه بعد أن ظنه ضائعًا إلى الأبد.

الغوّاص في المدينة
لم يكن البحر وحده مسرحه، فالأنهار التي تشق المدن، والجداول التي تعبر الحارات، كانت جزءًا من يومه وحكايته.
هناك حيث يسقط الأطفال ألعابهم، وتنزل أغراض الكبار غصبًا أو غفلةً إلى القاع، كان الغوّاص ينزل بلا تردد، كأنه يهبط إلى عالم يعرفه أكثر مما يعرف اليابسة، ويعود صوته الهادئ، وملامحه الثابتة، ليزرع الطمأنينة في قلوب الناس.

مغامرة لا تعرف المزاح
الماء الجاري ليس لعبًا.. تيارات قوية، أحجار حادة، نباتات مائية تلتف كالأفاعي، لكن الغوّاص يعرف أن ثانية واحدة قد تصنع مأساة، وأن التأخر قد يعني وداع حياة لا تعود.
ينزل قبل أن يكتمل صراخ المتجمهرين، ويظهر قبل أن تنطفئ آخر شمعة أمل، منتصبًا أمام الخطر، كأنه يقول للموت: تأخر قليلًا.. فهناك من يستحق النجاة.

أدوات بسيطة.. وروح عظيمة
حقيبة صغيرة، حبل متين، قناع بسيط وربما مصباح خافت، لكن خبرته كانت هي أداته الأقوى.
يعرف أن كل حركة تحت الماء، يجب أن تُحسب كنبضة قلب، وأي خطأ قد يكون آخر الأخطاء، ومع ذلك يغامر.. لا طلبًا للمجد، بل لأن الحياة تحتاج رجالًا كهذا.. يضعون قلوبهم درعًا للآخرين.

مكانته في المجتمع
كان الناس يعرفونه، كما يعرفون شيوخ الحارات وباعة الأسواق، تذكره البيوت، وتهمس باسمه الأزقة، وتتناثر حوله الحكايات في جلسات المساء.
الأطفال يستمعون إليه بإعجاب، يتخيلونه بطلًا يهبط إلى عالم سحري، ويخرج منه ومعه نَفَس إنسان.. أو ذكرى ثمينة كادت تضيع.

الغوّاص والإنسانية
لم يكن جامع كنوز، بل جامع قلوب، وحارس حياة، كل إنقاذ كان يذكّره بأن الروح أغلى من كل ذهب، وأن الماء رغم قسوته، يستطيع أن يكون مسرحًا لرحمة البشر وشهامتهم.
حين تغيّر الزمن.. بقيت الحكاية.. تغيّرت المدن، تغيّرت الأدوات، وأصبح الاعتماد على الغواص أقل.. لكن ذكراه لم تغب.
بقيت حاضرة في كل نهر، وفي كل قصة تُحكى عن غريق نجا، وكنز عاد إلى صاحبه، وفي عيون الأطفال حين ينظرون إلى الماء برهبة واحترام.

الغوّاص.. ذكرى لا تغرق
رحل جسد الغوّاص عن المشهد اليومي، لكن إرثه ما زال يطفو فوق الذاكرة، يروي أن الشجاعة والصبر واليقظة، قادرة على انتشال الحياة من أعماق الماء.

خاتمة
ربما لم نعد نراه اليوم كما كان، لكن أثره لا يزال يسري في حكايات المدن، وفي الأرواح التي تعرف أن الإنسانية يمكن أن تغوص، وتعود دائمًا وفي يدها الحياة.

أترك تعليقاً

التعليقات