مروان ناصح

مروان نــاصح / لا ميديا -
الساعاتي.. سيّدُ الوقت وحارسُ دقّاته
في الأزقة التي كان الزمن يمشي فيها على مهل، وفي الأسواق التي تلمع واجهاتها كعيونٍ تستقبل الفجر، كان يجلس رجلٌ صغير في هيئته، كبير في أثره؛ إنه الساعاتي،
ذاك الذي لا يبيع الزمن، لكنه يرمّم روحه؛ ولا يصلح الساعات فحسب، بل يصلح علاقة الناس باللحظة.
كان دكانه أشبه بمعبد صغير تتدلّى على جدرانه عقارب لا تتوقف. وكنتَ كلما دخلته، شعرتَ أن العالم خارج الباب صار أبطأ قليلًا؛ كأن الزمن يحني رأسه احتراماً لحارسٍ يعرف سرّه.

دكانٌ يضجّ بالهدوء
كان دكان الساعاتي صغيراً، لكن صمته كان واسعاً، معلّقةً فيه عشرات الساعات التي تدقّ في انسجام يشبه موسيقى غير مرئية.
من ساعة حائط عملاقة، إلى ساعة يد دقيقة مثل خفقة جناح.
وكان الزبائن يجلسون أمامه كمن يجلس أمام طبيب، يحملون ساعاتهم بقلق. وهو يبتسم، يطمئنهم، ويمسك الساعة كما يمسك المرء عصفوراً مريضاً، يحتاج إلى حنانٍ أكثر من العلاج.

يدٌ تفهم لغة العقارب
كانت أصابع الساعاتي نحيفة، لكنها ثابتة كالضوء. تمسك المفك الصغير، وتفتح الغطاء الخلفي للساعة، كما لو تفتح باباً إلى كونٍ كامل.
يسمع نبض الماكينة، يقرأ حركة النابض، ويعرف فوراً أين يسكن العطب.
وكان يقول دائماً: "الساعة لا تتعطل فجأة. هي فقط تتعب من الركض".
ثم يعيد تنفيسها، تزليق تروسها، وتنظيف قلبها المعدني، فتعود تدقّ، فقد أُعيد إليها شبابها.

ساعات تضج بالذكريات
لم يكن الناس يجلبون ساعاتهم إليه كأشياء؛ كانوا يجلبونها كذكريات تُخشى خسارتها.
هذه ساعة الجد التي لا تزال تحتفظ برائحة السفر، وتلك ساعة هدية، وتلك أخرى نجت من حربٍ أو غربة...
كان الساعاتي يصغي لكل حكاية، ويعامل كل ساعة بما يناسب قصتها، كأنها جزء من تاريخ المدينة الذي يتكرّم عليه الزمن أحياناً، لينسكب بين يديه.

الساعات المستعملة..
تعود إلى حياة جديدة
كان الساعاتي يشتري الساعات القديمة من الناس، منهكة يظن صاحبها أن لا مستقبل لها، ثم يقضي معها ساعات طويلة من التفكيك وإعادة الروح.
وحين يعرضها في واجهته الصغيرة، تبدو كأنها تبتسم بامتنان.
وكان يقول: "لا توجد ساعة ميتة. كل ساعة يمكن أن تبدأ من جديد".

دقة المواعيد..
درس يقدمه بلا خطابة
لم يكن يعظ أحداً؛ لكن من يجلس قربه لربع ساعة فقط يخرج مختلفاً.
إيقاع دكانه يعلّم الإنسان احترام الوقت، والدقّات المتناغمة من حوله، تعطيك شعوراً بأن كل ثانية لها قيمة، وأنه لا بدّ أن نمنح لحياتنا ترتيباً يشبه ترتيب التروس.
حتى الأطفال كانوا يتعلمون منه شيئاً. كيف أن الوقت ليس سريعاً كما نظن، ولا بطيئاً كما يشتهي الكسل، إنه فقط يمشي بثبات، مثل خطوات الساعاتي نحو إصلاح جديد.

ساعة الحائط التي
يعرفها الجميع
في صدر الدكان ساعة كبيرة. صوتها يسمعه أهل السوق كلها.
وحين تتعطل، يدرك الجميع أن الساعاتي مشغول، متعب، أو لعل في قلبه شجناً.
كانوا يطمئنون حين يعود صوتها إلى النبض، كأن السوق كلها استعادت دورتها الطبيعية.
لقد أصبحت تلك الساعة ميزاناً خفياً للمدينة. لا تصدر قراراً، لكنها تصنع طمأنينة.

بطاقات الهدايا
عندما يشتري أحدهم ساعة ليهديها لمن يحب، كان الساعاتي يخرج ورقة صغيرة، ويكتب عليها جملة مناسبة بخط يده الرائق: "ليذكّرك الوقت بنا.. كلما حاول أن يسرقك" أو "دقّات الساعة لا تساوي شيئاً دون قلبٍ يسمعها"...
وكان كثيرون يعودون إليه بعد زمن، لا ليصلح لهم الساعات، بل ليطلبوا جملاً أخرى.

خاتمة:
هكذا كان الساعاتي في الزمن الجميل؛ رجلاً لا يبيع الوقت، بل يُهذّبه، ولا يصلح الساعات فقط، بل يصلح علاقتنا بما نفقده دون أن نشعر: الدقيقة، اللحظة، وخفقة القلب.
ومع أن العالم اليوم صار يلبس ساعات رقمية بلا روح، يبقى الساعاتي ذاكرة حيّة؛ يقف في زاوية السوق، يحمل مفكاً صغيراً، ويهمس للزمن: "سرْ على مهلك؛ فثمة من يعرف كيف يسمعك".

أترك تعليقاً

التعليقات