«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 113
- مروان ناصح الأحد , 26 أبـريـل , 2026 الساعة 12:14:47 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الخباز.. شاعر العجين والنار
في أحياء المدينة النابضة بالحياة، حيث تختلط رائحة التوابل بعطر الخبز الدافئ، يفتح الخباز أبواب فرن صغير يفيض بدفء الرغيف وعبق الطحين.
هو ليس صانع خبز فحسب، بل شاعر ينسج من الدقيق والماء والحرارة قصائد صامتة، يقدّمها للناس يومياً، لتبدأ نهاراتهم بابتسامة وطمأنينة صغيرة، كما لو كان يبعث الحياة في كل زاوية من الزقاق.
قلب الحي النابض
الفرن ليس آلة صامتة، بل قلب حي ينبض بالحرارة والأنغام اليومية.
ألسنة النار تتراقص بين جدرانه، تلتهم العجين بلطف، وتصدر أصواتاً تشبه همسات الروح في الصباح الباكر.
أبواب الفرن تتنفس كأنها تصدح بألحان الحياة، بينما الحرارة تتغلغل في الزقاق، لتلامس الأرواح قبل الأجساد.
رائحة الانتظار
العجين بين يدي الخباز وعدٌ بالراحة والغذاء.
يده تتناغم مع كل حفنة طحين، تعجن وتطبطب، تضغط وتفّتت، فتنبعث رائحة الانتظار، كأن كل رغيف هو كائن حي، ينتظر دوره ليخرج إلى العالم، يحمل معه دفء اليد وحميمية الصباح.
السحر المتحرك
النار في الفرن روح مرنة تتحرك بخفة، تلمس الأرغفة لتعطيها اللون والملمس والدفء.
كل رغيف يخرج محمّصاً بعناية، يحمل طاقة الصباح إلى روح الحي، كما لو أن النار نفسها تهمس للصغار والكبار: "ابدؤوا يومكم بابتسامة، واحتضنوا بركة الحياة".
رسالة صامتة
الناس يقفون في طابور الصباح، بعضهم متعجل، وبعضهم يبتسم بود، وبعضهم يبوح بحكاية استعجاله للخباز.
كل وجه يحكي قصة، والخباز يستمع بصمت، ويقدم لكل منهم قسطاً من الطمأنينة مع كل رغيف. لقد كان الرغيف رسالة صامتة من القلب إلى القلب.
إيقاع المدينة
قرقعة العجين، صرير باب الفرن، صيحات الباعة في الزقاق، وضحكات الأطفال العابرة.
كل هذه الأصوات تتشابك، والخباز ينسقها بلا وعي، فينشأ إيقاع خاص به، حيث يصبح كل رغيف نغمة، وكل حركة من يده لحناً، والمدينة كلها تتراقص على هذه الأوتار.
هدية صغيرة
كل رغيف يخرج من الفرن هو هدية صامتة، قطعة دفء يقدّمها الخباز لكل من يحتاج إلى قوت يومه.
ملمسه دافئ، ورائحته مألوفة، كأن الرغيف يعانق الإنسان، يذكّره بالطمأنينة والاحتواء، وبأن الحياة يمكن أن تكون بسيطة وشهية، إذا غمست اللقمة بصحن المحبة.
صمت الفراغ.. بعد الزحمة
عندما يهدأ الطابور ويختفي الزبائن، يقف الخباز عند باب الفرن، يتنفس بعمق، ويبتسم لنفسه.
لقد أتم مهمته، ووزع السعادة أرغفة صغيرة مكافأة للأرواح على الصبر والعمل الدؤوب.
خاتمة:
مع دخول الأفران الآلية إلى حياتنا الحديثة أصبح العثور على فرن صغير في الأحياء الشعبية نادراً؛ لكن عبق الرغيف الساخن وابتسامة الخباز ما يزالان ماثلين في الذاكرة، ليبثا فينا الشوق إلى بساطة الفرح وطمأنينة الأيام التي لن تعود.





.jpg)




المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح