مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
صندوق البريد.. حارس الرسائل والانتظار
كان يقف في زاوية الشارع كعلامة ترقيم في جملة المدينة، أحمرَ أو أزرقَ في الغالب، صامتًا، ثقيل الظل، لا يتحرك خطوة واحدة..
ومع ذلك كان أكثر الأشياء سفَرًا.
لم يكن صندوق البريد مجرّد حاوية معدنية، بل وعدًا معلّقًا في الهواء، ويدًا ثالثة تمتد بين قلوب لا تلتقي، وبحرًا صغيرًا تُلقى فيه زجاجات الأسرار.

هيئة لا تُخطئها العين
واقفٌ كجندي متقاعد لم يخلع بزته بعد، بطنه ممتلئة بالرسائل كما تمتلئ الذاكرة بالسنين، وفمه شقٌّ ضيّق لا يبتلع إلا الورق، ولا يلفظ شيئًا.
يمرّ الناس بجانبه باحترام خفي، لا يربتون عليه، ولا يسندون دراجاتهم إلى جسده، فهو ليس جمادًا تمامًا.. إنه مخزن الأقدار المؤجَّلة وخزنة الشوق المؤقّت.

الرسالة قبل أن تصبح بريدًا
كانت الرسالة تُكتب ببطء، ببطء يليق بما ستقوله.
القلم يتوقف، يتراجع، يشطب كلمة ويستبدلها بأخرى أقل قسوة أو أكثر صدقًا.
تُطوى الورقة بعناية، كأنها تُغلق على نفسها، ويُلعق الظرف بطعم الورق والصبر، ثم تُلقى الرسالة في الصندوق كما يُسلَّم السر للغيب من دون إيصال.

صديق العشّاق والغرباء
كم حبٍ بدأ من جوفه، وكم شوقٍ نام فيه لأسابيع قبل أن يستيقظ في مدينة أخرى.
رسائل الجنود المحمّلة برائحة البارود والخوف، رسائل الأمهات المطرّزة بالدعاء، ورسائل بلا عنوان إلا قلبا يرتجف في آخر السطر.
كان الصندوق يعرف أن بعض الكلمات أثقل من الحديد، وأن بعض الظروف تحمل أعمارًا كاملة.

طقس المرور اليومي
يأتي ساعي البريد، يفتح الباب بمفتاح يشبه المفاتيح السحرية في الحكايات، يجمع الحكايات واحدة واحدة، ثم يغلقه بهدوء، كأنه يربّت على كتف الصندوق ويقول: "اطمئن.. أدّيتَ مهمتك".
ويمضي حاملًا بين يديه ضحكات مؤجلة وبكاءً لم يحن وقته بعد.

الانتظار.. قيمة نبيلة
لم يكن أحد يسأل: "لماذا تأخرت؟" كان الانتظار جزءًا من الرسالة، جزءًا من المعنى، الأيام التي تمر كانت تُضاف إلى الكلمات فتصل أكثر نضجًا وأصدق وقعًا.
لم يكن الشوق عيبًا، ولا التأخر فضيحة، كان لكل شيء زمنه، وللكلمة حقّها في التأني.

خيبات صغيرة لا تُنسى
ثم هناك صندوق آخر.. ذلك الصغير المعلّق على باب البيت.
نقف أمامه، نفتحه بلهفة مدروسة، فلا نجد شيئًا.
نغلقه بخيبة مهذبة، ونقول لأنفسنا بصوت منخفض: "غدًا ستأتي".
وكان الغد أحيانًا أقسى من الأمس، وأطول من قدرتنا على الاحتمال.

حين خفّ وزنه فجأة
ثم جاء البريد الإلكتروني، فصار الصندوق خفيفًا، فارغًا، مهملًا، كشيخ فقد أبناءه دفعة واحدة.
لم يعد أحد يودع فيه شيئًا، ولا أحد يقف عنده منتظرًا أحدًا.
سُحبت منه الوظيفة وبقي الشكل.

خاتمة
صندوق البريد لم يكن وسيلة تواصل، بل تربية على الصبر.
علّمنا أن الكلام لا يُقال فورًا، وأن المشاعر.تستحق وقتها.
واليوم، في زمن الرسائل الفورية، نفتقد ذلك الصندوق، لا لأنه قديم، بل لأنه كان يجعل للكلمة وزنًا.. وللشوق عنوانًا.

أترك تعليقاً

التعليقات