فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في قراءة دقيقة لمحاور كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي (حفظه الله)، في ذكرى المولد النبوي الشريف هذا العام، تتجلى بوضوح مكامن الذكاء الاستثنائي والحرص البالغ على مستقبل الأمة، والتي تجلت في طريقة سرد الخطاب وتوزيعه للمحاور، حيث بدأ بالمناسبة الدينية التي تجمع ولا تفرق، ليكون المولد النبوي الشريف بوابة عبور إلى قضايا الأمة المصيرية، وهذا ذكاء في توظيف الرمزية الدينية لتكون طاقة تعبوية ووعظية في آن واحد، فلم يجعل الاحتفال مجرد طقس عابر، بل جعله محطة تقييم ومراجعة، وهذا يعكس إدراكاً عميقاً بأن الأمة بحاجة إلى جرعات إيمانية دورية تعيد لها بوصلة الطريق، خاصة في زمن كثرت فيه الملهيات وتشعبت فيه الأهداف، فكان حرصه على ربط الهوية الإيمانية بالحدث النبوي ضماناً لاستمرارية الوعي الجمعي، وضماناً لعدم تحول المناسبات الدينية إلى عادات فارغة من المضمون، بل جعلها محفزاً للعمل والجهاد، وهذا هو الذكاء الأول في استثمار المشترك الديني لخدمة القضية الكبرى.
ومن ملامح الذكاء اللافت، قدرته على قراءة واقع الأمة قراءة شمولية لا تقتصر على شعب بعينه، بل تتسع لتشمل كل مكونات الأمة العربية والإسلامية، إذ ربط بين ما يجري في فلسطين ولبنان وإيران واليمن في سردية واحدة، وكشف أن كل هذه الجبهات هي مسرح واحد لمؤامرة كبرى يقودها العدو الصهيوني وأتباعه في الغرب، وهذا الربط ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو رسالة إلى الأمة بأن مصيرها واحد، وأن أي تخاذل في جبهة سينعكس على باقي الجبهات، وهو حرص منه على أن يرى أبناء الأمة الصورة الكاملة بدلاً من الانشغال بالتفاصيل الصغيرة، وأن يدركوا أن ما يسمى «تغيير الشرق الأوسط» ليس شعاراً إعلامياً، بل مشروع استعماريّ يستهدف وجودهم، وهنا يظهر حرصه على عدم ترك الأمة فريسة للتجزئة والتفتيت، بل يدعوها إلى وحدة الرؤية والموقف، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على نظرة استراتيجية بعيدة المدى، تستند إلى فهم عميق لتاريخ الصراع وطبيعة العدو الذي لا يفرق بين عربي وآخر، ولا بين سني وشيعي، بل عدوه كل مسلم متمسك بدينه ومستعد للدفاع عن أرضه وعرضه.
إن أسلوب السيد القائد في مخاطبة الأمة، إذ يمزج بين التذكير بنعم الله، والتوبيخ اللطيف على التفريط، والدعوة إلى التحرر من التبعية، يحمل ذكاءً نفسياً فذاً، لأنه لا ييئس الأمة ولا يقسو عليها، بل يذكرها بعظيم مكانتها وقدرتها على النصر، ويوقظ في داخلها روح المسؤولية التي قد تكون دفنت تحت ركام الإحباط، فهو يقول لهم إن النصر حليفهم متى تمسكوا بدينهم، وأن الانتصارات التي تحققت في إيران ولبنان وغزة واليمن والعراق هي ثمرة هذا الثبات، ما يزرع الأمل في قلوبهم، ويشعل جذوة العزيمة في نفوسهم. وهذا الحرص على استنهاض الهمم هو جوهر القيادة الحكيمة، لأن الأمة لا تحتاج فقط إلى من يصف لها الداء، بل إلى من يصف لها الدواء، وقد وصف الدواء بأنه العودة إلى الله، والشدّة على الأعداء، والالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة، وهي وصفة عملية قابلة للتطبيق، وليست مجرد شعارات عاطفية، وهذا هو الفارق بين الخطاب المؤثر والخطاب المنفّر، بين من يريد أن يبني ومن يريد أن يهدم.
أما في تعاطيه مع الملف اليمني الداخلي والعدوان السعودي، فيظهر ذكاء آخر يتمثل في عدم خلط الأوراق، إذ وجّه سهام النقد إلى النظام السعودي ككيان سياسي، واصفاً إياه بأنه «معتدٍ» و«عميل للصهيونية» و«مملكة قرن الشيطان»، لكنه في الوقت نفسه لا يغلق باب الأمل أمام الشعب السعودي نفسه، بل يدعوه ضمنياً إلى مراجعة موقفه، وهذا حرص منه على إبقاء مساحة للوعي الشعبي داخل الدول العربية، وكشف أن الصراع ليس مع شعوبها، بل مع أنظمتها التي تخدم المشروع الصهيوني على حساب مصالح شعوبها. وهذا المستوى من الدقة في المخاطبة يحتاج إلى ذكاء سياسي ووعي بالتركيبة الاجتماعية والسياسية للمنطقة، وهو ما يملكه السيد القائد بقدر كبير، ليجعل من خطابه أداة تأثير تتجاوز حدود اليمن إلى عمق الأمة.
كذلك فإن إصراره على وضع معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» كخيار استراتيجي، وليس كرد فعل مؤقت، يحمل ذكاءً في بناء الردع، وإعلان أن اليمن ليس طرفاً ضعيفاً يمكن التلاعب به، بل هو دولة ذات سيادة وقرار وتمتلك أدوات الرد المناسب، وهذا الطرح يخدم هدفاً مزدوجاً، فهو من جهة يرفع الروح المعنوية لليمنيين ويؤكد قدرتهم على مواجهة العدوان، ومن جهة أخرى يوجه رسالة واضحة إلى العدو بأن استمراره في الحصار لن يحقق له أهدافه، بل سيكبده ثمناً باهظاً. وهذا الحرص على كسر إرادة المحتل والحصار هو عين القيادة الشجاعة التي لا ترضى بالخنوع، بل تختار مواجهة الظلم بكل الوسائل المشروعة. وهو يضع في اعتباره أن الأمة بأسرها تراقب هذا الصمود، وأن انتصار اليمن في هذه المعركة سيكون حافزاً لكل المستضعفين في الأرض. وهذا البعد الدولي في حرصه على الأمة يجعله لا يلقي خطابه لليمنيين فقط، بل يلقيه لكل إنسان يحلم بالحرية والكرامة في العالمين العربي والإسلامي. فالنموذج اليمني أصبح بحسب هذا الخطاب نموذجاً يحتذى، وهذا يضع اليمن في موقع الريادة المعنوية للأمة في هذه المرحلة الدقيقة.
إن عدم تركه أي نقطة غامضة في تحديد العدو، إذ يصر على تسميته بأسماء واضحة: «العدو الصهيوني»، «الطغيان الأمريكي»، «النظام السعودي العميل»، يجرد أي محاولة لتجميل الواقع أو الالتفاف على الحقائق، وهو حرص واضح على أن تكون الأمة على بيّنة من أمرها، فلا تنخدع بالوعود الأمريكية أو بالتطبيع «الإسرائيلي»، أو بالمشاريع التي تقدم نفسها تحت غطاء السلام وهي في جوهرها مشاريع استسلام وهيمنة. وهذا الوضوح الشديد، وهذه الشجاعة في قول الحق، هي من صميم الذكاء النبوي، الذي كان يضع الأمور في نصابها، فلا يجامل على حساب المبدأ، ولا يتزحزح عن الحق خوفاً من لومة لائم، وهو الموقف الذي يزرع الثقة في نفوس الأنصار وباقي شعوب الأمة، ويثبت لأعدائه أنه لا يمكن المناورة معه أو شراؤه. وهذا الحرص في الحفاظ على المواقف المبدئية هو ما يصنع الفارق بين القادة التاريخيين والقادة الظرفيين، والأمة بحاجة إلى قادة يبقون ثابتين في أصعب الظروف، ليكونوا نبراساً لأجيال قادمة تتعلم منهم معنى الصدق والإخلاص.
ختاماً، يمكن القول بأن مكامن الذكاء التي تجلت في كلمة السيد القائد تتركز في قدرته على تحويل مناسبة دينية إلى منصة سياسية شاملة، وفي شمولية رؤيته وربطه بين القضايا، وفي حنكته في مخاطبة مختلف الفئات دون إقصاء، وفي وضوحه في تحديد الأعداء والحلفاء، وفي حرصه الدائم على بث الأمل ودفع الأمة نحو الفعل لا الانتظار، وفي إصراره على تكريس مبدأ وحدة الساحات كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، وفي جرأته في كشف الوجه الحقيقي للأنظمة العربية التي تخدم الصهيونية... كل هذه العناصر ترسم صورة لقائد يدرك أن الأمة تمر بلحظة فارقة، وأن التخاذل الآن يعني فقدان الأمل للأبد، بينما الصبر والثبات هما مفتاح النصر. وهو حرص خالص على ألا تبقى الأمة في حالة فرجة على محنتها، بل أن تكون فاعلة في تغيير واقعها، معتمدةً على الله أولاً، ثم على وحدتها الداخلية وإرادتها الصلبة التي لا تلين أمام أي طغيان، وهذه هي أعمق رسائل الحرص التي أراد توصيلها لكل من يسمع كلمته.

أترك تعليقاً

التعليقات