اليمن في العقيدة السعودية..من صناعة الولاء إلى كسر الوصاية ومعادلة «الحصار بالحصار»
- فؤاد أبو راس الأربعاء , 26 أغـسـطـس , 2026 الساعة 12:08:10 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبوراس / لا ميديا -
تسربت مجموعة من وثائق اللجنة الخاصة السعودية التي تدير الوصاية على اليمن منذ ستينات القرن الماضي، وعند قراءة هذه الوثائق باعتبارها منظومة واحدة، تتشكل أمامنا سياسة متماسكة تجاه اليمن تتجاوز المواقف اليومية والأحداث المنفردة. ويمكن اختزال جوهر هذه السياسة في معادلة دقيقة: يمن مستقر بالقدر الذي يمنع انتقال الفوضى إلى السعودية، ومقيّد بالقدر الذي يمنع تحوله إلى قوة مستقلة يصعب احتواؤها؛ مع احتفاظ الرياض بأدوات نفوذ داخلية تتيح لها متابعة القوى اليمنية، وتقييمها، ودعم بعضها، وضبط التوازن بينها وفقاً للمصلحة السعودية.
غير أن هذه المعادلة لا تكتمل من دون إدراج ثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014 بوصفها نقطة الانقطاع الكبرى في تاريخ الوصاية السعودية على اليمن. فالأهمية الاستراتيجية لهذا الحدث تتمثل في أنه عطّل، داخل العاصمة ومؤسساتها، جانباً رئيسياً من منظومة النفوذ التي بنتها السعودية على مدى عقود، وأخرج قوة عسكرية وسياسية يمنية من نطاق الضبط التقليدي الذي مارسته الرياض عبر المخصصات والوسطاء والقبائل والقيادات العسكرية والحزبية.
مثّلت ثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014 ثورة شعبية يمنية بامتياز، عبّرت عن تطلعات قطاعات واسعة من اليمنيين إلى إسقاط منظومة الفساد والتبعية واستعادة القرار الوطني. غير أن أثرها ركز على أنهاء النظام السياسي الذي أفرزته المبادرة الخليجية، وإزاحة قوى ظلت لعقود من أهم مداخل النفوذ السعودي، وأنتجت سلطة في صنعاء لم تعد قراراتها الأساسية تمر عبر الرياض. وقد وصف تحليل نشرته «مؤسسة كارنيغي» ثورة أيلول بأنها وضعت نهاية للنظام السياسي الذي أسهمت المبادرة الخليجية في إنشائه، فيما أظهرت دراسات أخرى أن الحدث أطاح بنفوذ قوى تقليدية مثل علي محسن الأحمر وعيال الأحمر وحزب الإصلاح، وهي قوى كانت السعودية تدير معها علاقات سياسية ومالية وأمنية ممتدة.
اللجنة الخاصة: الجذور المؤسسية للوصاية
لم تبدأ شبكة النفوذ السعودية في اليمن بعد عام 2011، ولا مع العدوان الذي شنته السعودية في 2015. فقد تشكلت أدواتها الحديثة خلال الحرب الأهلية في شمال اليمن بين عامي 1962 و1970. وتشير دراسة تاريخية عن علاقة القبائل بالسلطة المركزية إلى أن ما عُرفت لاحقاً بـ«اللجنة الخاصة» السعودية ظهرت على الأرجح في عامي 1965 أو 1966، وبدأت بتقديم مدفوعات مباشرة وتسهيلات تجارية لزعماء القبائل اليمنية. ومن الأدق تاريخياً عدم تصوير هذه السياسة باعتبارها مؤامرة واحدة ثابتة لم تتغير منذ الستينيات، بل باعتبارها نمطاً مؤسسياً متطوراً لإدارة النفوذ؛ تغيرت أسماؤه وظروفه وأولوياته، لكن مبدأه الأساسي ظل قائماً على بناء علاقات مباشرة مع مراكز القوة اليمنية خارج الأطر الطبيعية للعلاقة بين دولتين.
وتمنح الوثيقة 49 هذه القراءة أساسها المؤسسي؛ فهي تقرير تنظيمي يشرح اختصاصات «اللجنة الخاصة» وآليات إدارتها للملف اليمني، بما يشمل جمع المعلومات عن الشخصيات والقوى اليمنية، وتنظيم المخصصات المالية، وتقييم المستفيدين وفق مدى خدمتهم للمصالح السعودية. ووفقاً للوثيقة، تمتلك اللجنة قاعدة بيانات تشمل القيادات العسكرية والسياسية والقبلية، والمسؤولين الحكوميين، والمعارضة، والأحزاب، والمجتمع المدني والإعلام. كما تدير شبكة من المصادر والمتعاونين اليمنيين، تتلقى منهم المعلومات والوثائق والاتصالات، ثم تقيمها وتقارنها وتحولها إلى ملفات وتقارير ترفع إلى صاحب القرار السعودي.
وتكشف الوثيقة نفسها فلسفة العلاقة مع الشخصيات اليمنية بدرجة أكبر من الوضوح؛ فالمخصصات تُمنح وفق «المساهمة الإيجابية في المصالح السعودية»، ومن نتائجها تحقيق «قدر كاف من الولاء» لدى شخصيات يمنية مؤثرة، وخدمة المصالح الأمنية والسياسية والإعلامية للمملكة، فيما يستمر الدعم ما دام المستفيد يؤدي الوظيفة المطلوبة ويخضع للتقييم المتواصل. وتؤكد دراسات لاحقة أن جانباً مهماً من المساعدات التي أدارتها اللجنة كان غير موثق، وذهب مباشرة إلى شيوخ قبائل وشخصيات نافذة.
هذه الآلية لا يمكن مساواتها بالعلاقات الاعتيادية بين الدول. فالعلاقة السيادية تقوم على مؤسسات دولتين تتفاوضان حول مصالحهما، أما النموذج الذي تكشفه الوثائق فيقوم على تجاوز مؤسسات الدولة اليمنية وبناء علاقات مباشرة مع أفراد وقبائل وقادة عسكريين وسياسيين، ودفع الأموال لهم، وجمع المعلومات عبرهم، وقياس أهميتهم بمقدار ما يقدمونه للمصالح السعودية.
وتقدم الوثيقة 32 مفتاحاً أعمق لفهم النظرة السعودية إلى القوة اليمنية. وهي مراسلة صادرة عن وزير الدفاع السعودي عام 2012 بشأن دعم الاحتياجات العاجلة للجيش اليمني وكسب ولاء قياداته، مع التشديد على تجنب تقديم تجهيزات قتالية قد تمنح الجيش قوة يمكن استخدامها مستقبلاً ضد المملكة. ففي وقت كان فيه الجيش اليمني يعاني انقساماً ونقصاً حاداً في الإمكانات، أوصى وزير الدفاع السعودي بدعم احتياجاته العاجلة و«كسب ولاء القيادات العسكرية اليمنية»، ثم أوضح سبب تفضيل تلك الاحتياجات: أنها لا تشمل تجهيزات قتالية يمكن أن تقوي الجيش اليمني وقد تستخدم مستقبلاً ضد المملكة.
تتجسد هنا معادلة «الاستقرار المقيّد» بأوضح صورها: السعودية تريد جيشاً يمنياً قادراً على مواجهة الأخطار التي تهدد حدودها، لكنها تتحفظ تجاه امتلاكه مستوى من القوة الاستراتيجية يسمح له بالتصرف مستقلاً عن الحساب السعودي.
وفي الوقت نفسه، كانت الرياض تبني قدرات مسلحة خارج الجيش. فالأمر الملكي الوارد في الوثيقة 26 يوافق على دعم «القبائل اليمنية الموالية للمملكة» بالسلاح والذخيرة والمال، واستخدام قدراتها في خدمة العمليات العسكرية على الحدود، مع اعتبار ذلك استثماراً طويل الأجل في كسب ولائها. وتكشف الوثيقة 35 وصول خمسة ملايين ريال وبدء صرفها على جبهات محلية، وتوفير السلاح والذخائر والغذاء، والترتيب لفتح جبهة إضافية، قبل طلب دفعة مالية جديدة بعد استنفاد الأولى.
وتنقل الوثيقة 53 هذه السياسة إلى مستوى أكثر حساسية؛ فهي تقرير عملياتي يتناول مواجهة الحوثيين من الداخل، من خلال دعم قبائل لفتح جبهات ضدهم وإحداث انقسامات داخل بيئتهم الاجتماعية، مع الحرص على إخفاء البعد المذهبي للصراع وعدم إظهار المملكة طرفاً مباشراً فيه. ولا تكشف الوثيقة بذلك عن تقديم دعم مالي أو عسكري فحسب، بل عن محاولة هندسة الصراع اجتماعياً، وتحويل الانقسامات المحلية إلى أدوات تخدم أهداف السياسة السعودية من خلف الستار.
هكذا تكتمل بنية السياسة: قوة رسمية يمنية تحت سقف محسوب، وقوى محلية مدعومة مباشرة، وشبكات ولاء ومصادر معلومات، ونخب سياسية وقبلية وعسكرية تخضع للتقييم المستمر.
ولم يكن حتى كبار الحلفاء خارج هذه الآلية. فالوثيقة 37 عبارة عن توجيه رسمي يقضي بتشكيل لجنة مشتركة من وزارات الداخلية والدفاع والاستخبارات و»اللجنة الخاصة» لدراسة حقيقة موقفي علي محسن الأحمر وعثمان مجلي، وتحديد طريقة التعامل معهما في ضوء الدعم السعودي المقدم لهما. وتكشف صياغة الوثيقة أن الدعم لم يكن التزاماً ثابتاً تجاه حليف، بل أداة مشروطة تخضع نتائجها السياسية والأمنية للمراجعة المستمرة، ويعاد تحديدها بحسب مدى توافق موقف المستفيد مع مصلحة المملكة.
أما الوثيقة 38 فتمثل حلقة المتابعة في عملية التقييم؛ إذ تطلب الاستعانة بالسفارة السعودية للتحقق من مواقف علي محسن الأحمر قبل إعادة تقدير علاقته بالمملكة وتحديد مستقبل التعامل والدعم المقدم له. ويبين تسلسل الوثيقتين 37 و38 أن الشخصيات اليمنية المدعومة لم تكن تُعامل باعتبارها شركاء مستقلين فحسب، بل باعتبارها ملفات مفتوحة للمراقبة والتحقق وإعادة التصنيف وفقاً لمردودها السياسي على المصالح السعودية.
وبذلك لا تكتفي الوثائق بإثبات وجود علاقات سعودية مع شخصيات يمنية، وإنما تكشف منظومة مؤسسية متكاملة تبدأ بجمع المعلومات، وتمر بتقديم المال والسلاح، وتنتهي بقياس الولاء وإعادة تقييم الحلفاء وتعديل الدعم وفقاً للنتائج المطلوبة.
ثورة 21 أيلول وإغلاق بوابات النفوذ التقليدي
من هنا تتضح الأهمية التاريخية لثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014. فما حدث لم يكن مجرد استبدال حكومة بأخرى، بل إصابة مباشرة للترتيب الذي اعتمدت عليه السعودية في إدارة اليمن. فقد انهارت أو تراجعت مواقع شخصيات وقوى عسكرية وقبلية وحزبية ارتبطت بعلاقات وثيقة بالرياض، وسقطت المبادرة الخليجية بوصفها الإطار الذي أعاد توزيع السلطة بين أجنحة المنظومة القديمة من دون إحداث تحول جذري في بنية الحكم.
كان المسار الانتقالي بين عامي 2012 و2014 يمنح السعودية والمجموعة الدولية موقعاً مؤثراً في تشكيل القرار اليمني. أما في 21 أيلول، فقد ظهرت قوة قادرة على فرض معادلة سياسية وأمنية خارج هندسة المبادرة الخليجية، ووُقّع في اليوم نفسه «اتفاق السلم والشراكة الوطنية» الذي غيّر موازين السلطة رسمياً، وإن ظل تنفيذه موضع تمرد من قبل الأطراف التي تدين بالولاء للسعودية وليس لليمن.
ولم تؤد الثورة إلى إنهاء كل أشكال النفوذ السعودي في اليمن؛ فهذا النفوذ استمر في مناطق وقوى ومؤسسات أخرى، لكنها أنهت قدرة الرياض على إدارة صنعاء بالأدوات القديمة ذاتها. ومنذ تلك اللحظة لم تعد المخصصات والعلاقات القبلية والدعم السياسي كافية لإعادة الوضع السابق، ولم تعد اللجنة الخاصة قادرة على إعادة ضبط مركز السلطة عبر الوسطاء التقليديين وحدهم.
لقد أفشلت ثورة 21 أيلول، بهذا المعنى، أهم وظائف المشروع الذي تشكل منذ منتصف الستينيات: إبقاء القرار السياسي والعسكري في صنعاء ضمن مجال يمكن التحكم فيه من الرياض. وللمرة الأولى منذ عقود، وجدت السعودية أمامها سلطة مسلحة ومتماسكة قرب حدودها لا تستمد بقاءها السياسي أو تمويلها الأساسي من رضا الرياض، ولا تخضع قياداتها لدفاتر المخصصات وآليات التقييم التقليدية.
من إدارة الولاء إلى الحرب المباشرة
عندما فشلت أدوات النفوذ غير المباشر في احتواء التحول الجديد، انتقلت السعودية في مارس 2015 إلى قيادة تدخل عسكري واسع. وقد أعلنت الرياض أن هدف العملية هو إعادة ما تسمى «الحكومة المعترف بها دولياً»، ومواجهة التهديد الذي تمثله القوة اليمنية الجديدة قرب حدودها. لكن من منظور تاريخ سياسة النفوذ، يمكن قراءة ذلك العدوان باعتباره انتقالاً من إدارة اليمن بواسطة الوكلاء والمخصصات والتوازنات الداخلية إلى محاولة إخضاع التحول الجديد بالقوة العسكرية.
وبالرغم من أن الوثائق المسربة تخص فترة قبل العدوان السعودي على اليمن لكنها تكشف العقيدة التي سبقت ذلك العدوان: رفض نشوء قوة يمنية استراتيجية مستقلة، والتحفظ على امتلاك الجيش اليمني تسليحاً قد يستخدم مستقبلاً ضد المملكة، والاستثمار في قوى موازية للدولة يمكن تحريكها عند الحاجة. لذلك فإن العدوان كان الأداة البديلة عندما تعطلت أدوات الاحتواء السابقة.
وأحدث العدوان دماراً واسعاً في الاقتصاد والبنية الأساسية والخدمات الصحية والتعليمية والنسيج الاجتماعي. وقُتل وجُرح مدنيون، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، في أكثر من ربع مليون غارة شنتها السعودية بالإضافة الى عمليات عسكرية متعددة. وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب كانت ستؤدي، بحلول نهاية 2021، إلى نحو 377 ألف وفاة مباشرة وغير مباشرة، وأن اليمن خسر منذ 2015 ما يقارب 126 مليار دولار من الناتج المحلي المحتمل.
أما مسؤولية التحالف بقيادة السعودية عن انتهاكات بعينها، فقد وثقتها جهات أممية وحقوقية مستقلة. فقد أشار فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى غارات وهجمات وانتهاكات ارتكبتها أطراف متعددة، وذكر أن بعض الأفعال التي قام بها أفراد في حكومة الفنادق وتحالف العدوان، بما فيه السعودية والإمارات، ترقى إلى جرائم حرب.
كما وثقت منظمات حقوقية عشرات الغارات التي استهدفت مستشفيات وأسواقا ومدارس ومصانع وجسورا ومزارع وقوارب صيد ومراكز احتجاز، إضافة إلى القيود التي فرضها تحالف العدوان على دخول الوقود والسلع وإغلاق مطار صنعاء، وهي تدابير فاقمت الأزمة الإنسانية.
وفي ملف الأسلحة، وثقت منظمتا «هيومن رايتس ووتش» و»العفو الدولية» استخدام التحالف ذخائر عنقودية في اليمن، بما فيها ذخائر أمريكية وبرازيلية الصنع، ووقوع بعضها قرب مناطق مدنية. وهذه الأسلحة محظورة بموجب اتفاقية الذخائر العنقودية لعام 2008. وهنا تظهر المفارقة التاريخية: الدولة التي كانت وثائقها تتحفظ على دعم تسليح الجيش اليمني بما قد يجعله قوة محتملة ضدها، أصبحت بعد ثلاث سنوات تقود عدوانا داخل اليمن عندما نشأت قوة عسكرية لا تستطيع احتواءها.
تحول في معادلة القوة
راهن العدوان على أن التفوق الجوي والتسليحي، والحصار، وتحريك الجبهات الداخلية، يمكن أن يعيد اليمن إلى معادلة ما قبل 21 أيلول. إلا أن سنوات العدوان أثبتت أن التفوق في السلاح لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض نتيجة سياسية دائمة.
صمدت صنعاء، وطورت قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة ووسائل قتالية مكنتها من نقل جزء من كلفة الحرب إلى العمق السعودي واستطاعت إنهاء احتكار طرف واحد لفرض الكلفة. لم تعد السعودية قادرة على مهاجمة الأراضي اليمنية وهي مطمئنة إلى بقاء منشآتها الحيوية ومطاراتها وموانئها خارج دائرة الرد.
ومنذ هدنة أبريل 2022 انتقلت الأولوية السعودية تدريجياً من محاولة الحسم العسكري إلى خفض التصعيد والتفاوض المباشر. وفي نهاية 2023 أسهمت سلطنة عُمان في التوصل إلى التزامات شكلت أساساً لـ»خارطة طريق» أممية تشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وتحسين الظروف الاقتصادية، ودفع الرواتب، واستئناف العملية السياسية. لكن ذلك لا يعني انتهاء العدوان على اليمن، لكنه يعني أن مشروع إعادة صنعاء عسكرياً إلى المجال السعودي لم ولن يحقق هدفه. فقد اضطرت الرياض إلى التعامل مع أنصار الله طرفاً تفاوضياً قائماً، بعد أن كان الهدف المعلن للحملة العسكرية إزاحتهم وإعادة السلطة السابقة.
وهذا هو السياق الذي تكتسب فيه معادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» معناها. ففي يوليو 2026، ومع تجدد المواجهة، أعلن أنصار الله فرض حصار بحري على السعودية رداً على الحصار السعودي لليمن، وهددوا باستهداف المطارات والموانئ والمنشآت الاستراتيجية وفق منطق المعاملة بالمثل. وفي أغسطس تمت مهاجمة منشأة نفطية في جيزان ومواقع مرتبطة بالقوات المدعومة سعودياً في الساحل اليمني. وهو ما يكشف تحولاً بالغ الدلالة في معادلة القوة: اليمن الذي فُرض عليه الحصار أصبح يمتلك القدرة على تهديد الملاحة السعودية والطاقة والموانئ السعودية، والطرف الذي كان يفرض التصعيد من جانب واحد أصبح مضطراً إلى حساب كلفة التصعيد المقابل.
استمرار أدوات النفوذ في مناطق أخرى
لم يؤد تراجع قدرة السعودية على التحكم بصنعاء إلى اختفاء سياستها التقليدية من بقية اليمن. ففي المناطق المحتلة الواقعة تحت نفوذ الحكومة الموالية للسعودية استمرت الرياض في إدارة العلاقات بين القوى السياسية والعسكرية، ودعم تشكيلات محلية، والتدخل في إعادة ترتيب موازين القوة.
وظهرت حساسية السعودية تجاه أي قوة محلية تحاول تجاوز السقف المرسوم لها مجدداً في أحداث الجنوب خلال 2026. فقد توسع «المجلس الانتقالي الجنوبي» سريعاً في حضرموت والمهرة، ثم أعلنت مجموعة من قياداته، أثناء وجودها في الرياض، حل المجلس، قبل أن تستعيد قوات مدعومة سعودياً مناطق كانت قد فقدتها. غير أن إعلان الحل ظل موضع نزاع داخل المجلس، وخرجت تظاهرات في عدن تؤكد استمرار وجوده. وقد وصفت الأمم المتحدة سرعة هذه التحولات وتعقيدها بالاستثنائي.
تكشف هذه الواقعة أن النفوذ السعودي لم ينتهِ، بل تغير مجاله وأدواته. فقد فقد قدرته القديمة على ضبط صنعاء، لكنه ظل فاعلاً في المناطق التي تحتلها عبر ادواتها المحلية، وفي تشكيل المجالس والقوات والتوازنات المحلية.
من كسر الوصاية إلى بناء السيادة
بعد هذه السلسلة يصبح دفاع شبكات الارتهان أكثر صعوبة. فاختزال الأمر في عبارة «كل الدول لديها حلفاء» يتجاهل نصوصاً سعودية تتحدث صراحة عن المخصصات، والولاء، وخدمة المصالح السعودية، والمصادر والمتعاونين، وتقييم الشخصيات، وكسب القيادات العسكرية، وتسليح القبائل الموالية، وإدارة الجبهات، وجمع المعلومات السيادية.
لكن المشكلة اليمنية لا يمكن اختزالها في السعودية وحدها. فضعف الدولة اليمنية قبل 2015 هو الذي سمح للسعودية بأن تجد داخل اليمن أبواباً مفتوحة: شيخاً يحتاج المال، وقائداً يحتاج السند، وحزباً يحتاج الحماية، وناشطاً يحتاج المنبر، ومسؤولاً يبحث عن الرضا الخارجي، ومنطقة تحمل مظلمة يمكن استثمارها. وكلما ضعفت المؤسسة الوطنية ارتفعت قيمة الوسيط المحلي في سوق النفوذ الإقليمي.
لقد قيدت ثورة 21 أيلول الوصاية السعودية وأفشلت قدرتها على إدارة صنعاء عبر المنظومة التي تشكلت منذ الستينيات. وعندما حاولت الرياض الالتفاف على هذا التحول بالعدوان والحصار، لم تتمكن من تحقيق حسم يعيد اليمن إلى الوضع السابق. ومع تطور قدرات الردع اليمنية، انتقلت المعادلة من طرف يفرض الحرب والحصار من موقع آمن إلى معادلة تقوم على الكلفة المتبادلة: الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والميناء بالميناء، والتصعيد بالتصعيد.
غير أن كسر الوصاية الخارجية لا يكتمل بمجرد امتلاك قوة الردع. فالرد اليمني الاستراتيجي سوف ينتهي إلى بناء دولة تجعل قرارها أغلى من أن يشتريه الخارج: جيش وطني موحد، وتمويل سياسي شفاف، وتجريم للتمويل العسكري الأجنبي، وحماية صارمة للمعلومات السيادية، ومؤسسات استخبارات وطنية مهنية، ومعالجة عادلة للمظالم الداخلية، واقتصاد يقلل الاعتماد على الخارج، ومساءلة قانونية موثقة عن انتهاكات الحرب، وعلاقات متوازنة مع السعودية وغيرها، تحت قاعدة واحدة: مصالح متبادلة، وسيادة وطنية خالصة، وقرار يمني يصنعه اليمنيون.
فالدرس الذي تقدمه الوثائق والتجربة التاريخية شديد الوضوح: الوطن الذي يوزع ولاءاته على الخارج يفقد قراره قطعة قطعة، والدولة التي تستعيد مؤسساتها ووحدة قرارها تغلق السوق الذي عاش منه كل مشروع وصاية. وهذه هي المسافة الحقيقية بين الجوار والهيمنة، وبين الشراكة والارتهان، وبين النفوذ المشروع ومصادرة السيادة الوطنية.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس