انتحار الثورة
 

سعيد محمد

سعيد محمد / لا ميديا -
"نحن لا نعني بانتحار الثورة هزيمتها على يد القوى التقليدية أو عجزها عن تخريب الهياكل القائمة؛ نحن نعني أن اكتمال الثورة يتزامن مع انتحارها، وأن الوقت الحاضر في التاريخ لا يمكن تعريفه بأي طريقة أخرى سوى أنه السير قدماً نحو هذا الانتحار"
 (أوغوستو ديل نوتشي).

يقرأ الفيلسوف الإيطالي أوغوستو ديل نوتشي (1910 ــ 1989) تاريخ إيطاليا في القرن العشرين بوصفه مساراً فلسفياً تشكّلت السياسة في إطاره، وامتد أثره إلى بنية الغرب الحديث.
وفي المقالات الأربع التي يضمها كتاب "انتحار الثورة" (1978)، الذي صدر أخيراً بالإنكليزية عن منشورات "جامعة ماكغيل-كوينز" (تحرير كارلو لانشيلوتي وترجمته)، ينتقل من التجربة الإيطالية إلى سؤال يطاول الحداثة برمتها: كيف انقلب المشروع الثوري، الذي وعد بالتحرر وتأسيس عالم جديد، إلى قوة ترسخ أنماطاً جديدة من الهيمنة؟
تغدو إيطاليا في هذا التصور مختبراً تتجاور داخله الفلسفة والسياسة والدين والصراع الاجتماعي. ومن خلال هذا المختبر، يتتبع ديل نوتشي تحولات مفهوم الثورة في الفكر اليساري، من جذوره الماركسية الأولى وصولاً إلى اندماجه في النظام الليبرالي التكنوقراطي الذي سعى في الأصل إلى تجاوزه.
تنطلق الثورة، في معناها الجذري، من قطيعة شاملة مع الماضي، وتحمل وعداً بالخلاص عبر التاريخ يقترب في بنيته من الوعد الديني، متحركةً في مرحلتين مترابطتين: هدم القيم والهياكل القديمة، ثم تأسيس نظام جديد يمنح فعل الهدم غايته ومشروعيته. وحين ينفصل الهدم عن التأسيس، يقتصر المسار على تقويض المنظومة السابقة، بينما يتبدد أفق العالم الموعود. وهكذا يتحقق "انتحار الثورة": يكتمل الهدم ويترك وراءه فراغاً عدمياً تملؤه شمولية جديدة، تتخفى وراء مؤسسات أكثر مرونة وخطابات أكثر حداثة، ويتحول الثوريون من حملة مشروع لتغيير العالم إلى وسيلة تعيد إنتاج السيطرة بصيغ ثقافية واجتماعية جديدة. تمثل إيطاليا في القرن العشرين المجال الأوضح لتتبع هذا المسار، بسبب التداخل الوثيق بين الأفكار الفلسفية والحركات السياسية. ويضع ديل نوتشي الفاشية الإيطالية داخل التاريخ الفكري للثورة، رابطاً إياها بالجذور المثالية نفسها التي أثرت أيضاً في اتجاهات اليسار الإيطالي.
أعاد الفيلسوف جيوفاني جنتيلي قراءة الماركسية من خلال مفهوم "البراكسيس"، القائم على وحدة الفكر والفعل، متجاوزاً الحتمية المادية ومركزية البنية الاقتصادية. ومنحت هذه القراءة الفاشية هيئة مشروع ثوري يطمح إلى تجاوز الماركسية الكلاسيكية عبر إرادة سياسية قادرة على صناعة التاريخ. وبذلك تظهر الفاشية، عند ديل نوتشي، ثمرة لتحول داخلي في الفكر الثوري الأوروبي.
وامتد أثر هذه البيئة الفكرية إلى تيارات مناهضة الفاشية، وفي مقدمتها التيار الماركسي الذي أعاد أنطونيو غرامشي تشكيله عندما نقل مركز الصراع من الاقتصاد إلى الثقافة، وجعل مفهوم الهيمنة الثقافية محور مشروعه السياسي، ليغدو تغيير الوعي والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية مدخل الثورة إلى إعادة تشكيل المجتمع وتوجيه مساراته.
لكن هذا التحول في تعريف الصراع جعله، بعد غياب غرامشي، أقرب إلى مواجهة بين الحداثة والتقليد، ليصبح تبني العلمنة وإزاحة الدين من المجال العام شرطين لنجاح المشروع الثوري. وفي قراءة ديل نوتشي، قاد هذا المسار الماركسية الغرامشية (بعد غرامشي) إلى تبني عناصر أساسية من الثقافة البرجوازية التي وجّهت إليها نقدها في بداياتها.
وخلال العقود التالية، انتقلت الماركسية الإيطالية من موقع مشروع يستهدف إسقاط الرأسمالية إلى قوة تسهم في تحديثها ثقافياً، وأصبح الحزب الشيوعي الإيطالي، في سبعينيات القرن الماضي، ممثلاً لما يسميه ديل نوتشي "البرجوازية التقدمية"، مستنداً إلى تحالف من المثقفين والإعلاميين والطبقات الحضرية التي التقت مصالحها حول حماية النظام العلماني الجديد. يطلق ديل نوتشي على هذا التحول اسم "الانقلاب العظيم لليسار"، وتتجاوز دلالته فضاء التجربة الإيطالية لتصف مساراً اتسعت دوائره في الغرب، حين انتقلت حركات نشأت لتحرير الطبقة العاملة إلى مواقع داعمة لنظام ليبرالي تكنوقراطي تحكمه الإدارة والخبرة التقنية وقوى السوق وصناعة الرأي العام.
لقد احتفظت تلك الحركات بمفردات التحرر، فيما تبدلت الوظيفة التي تؤديها هذه المفردات، فصار "التحرر" يعني تفكيك المرجعيات الدينية والأخلاقية الموروثة و"التقدم" مرتبطاً بتوسيع سلطة السوق والمؤسسات التقنية والنخب الثقافية. أما الهيمنة فتتخذ صيغة ثقافية تمارسها الطبقة الفكرية المهيمنة وصناعات الثقافة، لتثبيت حدود المقبول وتكريس المجتمع التقني الاستهلاكي القائم بوصفه الأفق الوحيد الممكن.
القرن العشرون في "انتحار الثورة" تاريخ لسقوط الوعد الثوري وانفصال نتائجه عن المقدمات. فالثورة تنتحر لحظة اكتمال شقها الهدمي وتعثّر قدرتها على التأسيس، فتنهار القيم القديمة، ويتبخر الوعد بالخلاص، لتستقر السلطة داخل نظام جديد يقدم نفسه باعتباره ذروة التحرر، لتنتهي الثورة إلى خدمة العالم الذي بدأت بمحاولة تغييره.

أترك تعليقاً

التعليقات