نشوان محسن دماج

نشوان دماج / لا ميديا -
وذاكرةٌ تمُرّ
وكالسراب أجيء منهزماً على رمق التحية سمّرتْ يدَها
حِرابُ الوقت
أصرخ 
حين أصرخ لا عزاء يدلّني

لا صرخةٌ إلا الحقيقةُ أنت سرمَدَها
ضُحاك
وأنت إذ قرأتْكَ سِفْراً هذه المُقَلُ
تَفَجّرَ في مدامعها النشيدُ
كأنْ على ألمٍ تَفجّر
كان أبعدَها
دروباً فيك دمعٌ خاضه الإمعانُ لا الغزلُ!

البردوني.. ناسك الأزقة والأماكن وصنعاء. كان يمشي في المدينة كمن يعرف سرّها القديم، يسمعها، يتحسس حجارتها، يصغي إلى خطى العابرين وما أكثرها تذهب وتجيء وتجيء وتذهب، ثم يعيد كل تلك التفاصيل أكثر وضوحا مما هي عليه. كان هو صنعاء بكل تفاصيلها، والعصا التي تمشي على قدمين وتتحسس بيدين، لتنكتب على أرصفة الشوارع وحجارة الأزقة المرصوفة ذكرى وذاكرة ورحيل. تلك العصا التي كانت تسمعها الأزقة خارجة من بيتها أو عائدة إليه سكتت قبل سبعة وعشرين عاماً، ولم يعد أحد معنياً بما يبوح به هذا الزقاق أو ذلك الشارع. 
سبعة وعشرون عاما مرّت منذ أن توقفت العصا عن قرع الطريق، لكن الطريق لم يتوقف عن التذكر. كل شيء تغيّر تقريباً. تبدلت الوجوه وتكاثرت الخرائب واتسعت المدن وضاقت البلاد وتبدلت خرائط وولاءات وملامح... ووحدها ذاكرة البردوني لم تتقاعد؛ ما زالت تدخل علينا كما لو أنها كُتبت هذا الصباح؛ كأن الزمن بدل أن يسدل الستار عليها، يجعلها مشرعة دائما لحياة ابدية. 
كان البردوني واحداً لا يمكن فصله عن أمكنته ولا عن أشيائه؛ لأنك إن فصلته لن يعود هو. كانت مهمته استنطاق الأشياء، ولا شيء أكثر. فالأشياء كالبشر، لها لسان وحكايات ووجع لا ينتهي.
لا تكاد قصيدة من قصائده تخلو من اسم قرية أو مدينة أو زقاق أو شخص أو أي شيء يحمل ملامح وهوية يمنية خالصة، ولا يتعالى عن محيطه وبيئته كما يفعل سواه. 
يدخل إلى القصيدة دائماً من أبواب متفرقة: زقاق ضيق، أو من بائعة ملوج في سوق، أو من وجه شرطي، أو من حكايا امرأة في المساء، أو من رصيف يشتكي من خطى المارة التي لا تنتهي... حينها، يرفع رأسه إلى السماء للبحث عن مزيد من الأسئلة. 
كان البردوني يعرف أن الشاعر لا يملك ترف العيش في زمنه وحده. لم يكن يكتب لليمن، مثلما نعتقد، كان اليمن، بكل ما يراه ويخشاه ويحبه ويسخر منه ويتألم بسببه، كل ذلك اليمن كان هو مادة الكتابة، الوطن الأمثل الذي يحلم به، والذي يكون قد أصبح هو العالم أجمع وليس قطراً من الأقطار. لقد أطلق على ذلك الوطن أسماء مختلفة: «مصطفى»، «الحقيقي»، «مدينة الغد»، «الأخضر المغمور»، «القصيدة الوطن»... وما إلى ذلك من أسماء هي نفسها القصائد، وهي نفسها ذلك الوطن الذي يحلم به.
لا نستعيد البردوني اليوم لاستحضاره كشاعر، ولا لأن التقويم يقول إن ذكرى رحيله حلّت؛ وإنما لكي لا يغيب عن ذهننا الوطن الكبير الذي كان يبشر به، مدينة الغد التي كان يخاطبها هكذا: 
ذات يوم ستشرقين بلا وعد
تعيدين للهشيم النضارة
تزرعين الحنان في كل وادٍ
وطريقٍ، في كل سوقٍ وحارة
في مدى كل شرفةٍ، في تمنّي
كل جار وفي هوى كل جارة
في الروابي حتى يعي كلُّ تلٍّ
ضجر الكهف واصطبار المغارة
سوف تأتين كالنبوءات كالأمطار
كالصيف كانثيال الغضارة
تملئين الوجود عدلاً رخياً
بعد جور مدجج بالحقارة
تحشدين الصفاء في كل لمس
وعلى كل نظرةٍ وافترارة
تلمسين المجندلين فيعْدون
تعيدين للبغايا البكارة
وتصوغين عالماً تثمر الكثبان 
فيه ترف حتى الحجارة
وتعف الذئاب فيه وينسى
جبروتُ السلاح فيه المهارة!
لكن مدينة الغد هذه ما زالت بعد سبعة وعشرين عاماً على رحيل المبشر بها مدينة مؤجلة. إننا نقرأ البردوني اليوم فنكتشف أن بعض قصائده لم تكن تنظر إلى الماضي بقدر ما أنها تشير إلى المستقبل، وتاركاً القصيدة عند عتبة ذلك المستقبل منتظراً أن نصل إليه عبرها. وكلما ابتعدنا أو تهنا، زادت القصيدة إلحاحاً.
تلك هي المفارقة القاسية في ذكرى البردوني: أن الشاعر غاب، والقصيدة التي تركها عند عتبة المستقبل لم تغب. مات صاحب العصا وبقيت العصا بلا يد تقرع بها الأزقة، وبلا خطوات تقودها إلى تلك المدينة التي ظل يحلم بها.

أترك تعليقاً

التعليقات