(مريكني)..
 

عبدالمجيد التركي

عبدالمجيد التركي / لا ميديا -
في «شهارة» نسمي الكفن (مريكني)، أظن أن هذه التسمية تعني (أمريكاني)، لاشتقاقها من اسم بلد المنشأ الذي نبت فيه القطن، والمحالج التي حولت ذلك القطن إلى كفن خشن لا يوفر للموتى أدنى شعور بالراحة أثناء ارتدائه.
كأطفال، كنا نفرح بقراءة سورة ياسين في الجامع. كان أقارب الميت -بين المغرب والعشاء- يملأون أوعية نحاسية بماء الورد ويرشونه فوق رؤوسنا ونحن في حلقة كبيرة نقرأ ياسين بصوت جماعي ونهديها إلى روح الميت الذي لا يصل إليه ماء الورد، فأعود إلى أمي مبلولاً بهذا الماء الذي كان يستخدمه الناس لدهن أجسام أطفالهم لعلاج الحصبة والجدري. أما الرجال فكانوا يدهنون جباههم وسجائرهم بـ«أبو فاس» و«مكافح الرياح» كعلاج لكل أمراض الشتاء الشائعة. وأما النساء فلم نسمع عن استخدامهن شيئا، فقد كنت أظن أن الأمهات معصومات من المرض، لأنهن يسهرن على كل المرضى ولا يحتجن لأحد ليسهر عليهن، لأن المرض لا يليق بهن.
جارتنا «محصنة» ارسلت مع ولدها المسافر مائة ريال، في الثمانينيات، ليشتري لها كفناً. كأنها تريد أن تتباهى أمام جاراتها بأنه مجلوب من صنعاء، وليس مأخوذا من لفة القماش القديمة التي يضعها الحاج غالب خلف تخشيبة البضاعة باعتبارها من المبيعات النادرة.
أما عمتي مريم فقد كانت تتباهى بأنها اشترت كفنها من مكة، بمائة ريال سعودي، وغسلته بماء زمزم.
كان الموت نادراً، وكلما مات شخص يكون أهل القرية قد نسوا عدد تكبيرات صلاة الجنازة. كان الموت طبيعيا أيضا ومقتصرا على كبار السن، أو المواليد القادمين من زواج الأقارب، أو أمراض الطفولة الستة القاتلة التي كانوا يتجاوزونها دون تطعيم. فقد كان (ماء غريب) دواءً لكل داء في أذهان الأمهات.

أترك تعليقاً

التعليقات