أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
تشهد أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي تحولات سياسية تعيد تشكيل موازين القوى بين اليسار واليمين، بعد نحو ربع قرن من صعود الحكومات اليسارية والتقدمية التي وصلت إلى السلطة على موجات متعاقبة من الاحتجاجات الاجتماعية والانتخابات، مستفيدة من أزمة السياسات النيوليبرالية وتنامي المطالب الشعبية بالعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. وقد اتسع حضور اليسار خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، وتولى الحكم في عدد من أكبر دول المنطقة، قبل أن تتعرض تجاربه لأزمات اقتصادية وسياسية متباينة، وتبدأ قوى اليمين التقليدي والجديد في استعادة مواقعها داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
واكتسبت هذه التحولات خلال الفترة 2023-2026م أهمية خاصة مع انتقال السلطة إلى اليمين في عدد من البلدان التي شهدت تجارب يسارية طويلة أو حديثة، مقابل استمرار اليسار في الحكم في بلدان أخرى، ونجاحه في استعادة السلطة عبر الانتخابات في بعض الحالات، ويكشف هذا التفاوت عن تعقيد الظاهرة، إذ تتداخل نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات مع تغير البنية الطبقية، وتراجع الثقة بالأحزاب والمؤسسات، وصعود التأثيرات الأمنية والنزعة المحافظة الاجتماعية، فضلاً عن الضغوط الخارجية والتنافس الدولي على النفوذ والموارد والأسواق.
وتتجاوز أهمية هذه التطورات حدود التنافس الحزبي والانتخابي، بالنظر إلى الموقع التاريخي لأمريكا اللاتينية في النظام الرأسمالي العالمي، وما ارتبط به من تبعية اقتصادية وتفاوت طبقي وهيمنة خارجية، وإلى الدور الذي أدته الحركات العمالية والفلاحية والشيوعية والوطنية في مقاومة هذه العلاقات ومحاولة تغييرها. وقد نجحت حكومات يسارية في توسيع برامج الحماية الاجتماعية وخفض الفقر وتحسين أوضاع قطاعات شعبية واسعة، مع استمرار اعتماد اقتصاداتها على تصدير المواد الأولية ورؤوس الأموال الأجنبية والأسواق العالمية، الأمر الذي أبقى إنجازاتها الاجتماعية مرتبطة بظروف اقتصادية ومالية يصعب التحكم فيها وطنياً.
وتتمثل الإشكالية المركزية في تحديد طبيعة الأزمة التي يواجهها اليسار اللاتيني، ومدى ارتباطها بحدود مشروعه الإصلاحي داخل الاقتصاد الرأسمالي، وبالتغيرات التي طرأت على قواعده الطبقية وتحالفاته الاجتماعية، وبقدرته على إدارة الدولة والمحافظة على استقلال الحركات الشعبية، إلى جانب تأثير الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى في خيارات دول المنطقة. كما تطرح انتصارات اليمين سؤالاً حول ما إذا كانت تعبر عن تحول اجتماعي وأيديولوجي راسخ، أم عن تصويت احتجاجي يعاقب الحكومات القائمة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والأمنية، دون أن يؤسس بالضرورة لهيمنة سياسية طويلة المدى.

أولاً: التطور التاريخي لليسار في أمريكا اللاتينية الجذور الاجتماعية والسياسية للحركات اليسارية
ارتبط نشوء الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية بالتطور غير المتكافئ للرأسمالية، وبالاندماج التابع لاقتصادات المنطقة في السوق العالمية، حيث تركز الإنتاج والتصدير في الزراعة التجارية والتعدين والمواد الأولية، مع سيطرة كبار ملاك الأراضي ورؤوس الأموال الأجنبية على قطاعات واسعة من الاقتصاد. وأسهم التوسع الصناعي والعمراني خلال القرن العشرين في نشوء طبقات عاملة وحركات نقابية وأحزاب اشتراكية وشيوعية، تداخل نضالها الاجتماعي مع المطالب الديمقراطية ومقاومة التدخلات الخارجية.
وتطورت الحركة اليسارية عبر مسارات متعددة، شملت الأحزاب الشيوعية المرتبطة بالتقاليد الماركسية اللينينية، والحركات الاشتراكية والعمالية، والتيارات الوطنية الشعبية التي ربطت الإصلاح الاجتماعي بالسيادة الاقتصادية، والحركات الثورية التي تبنت الكفاح المسلح في مواجهة الأنظمة العسكرية. وشكلت الثورة الكوبية عام 1959م تحولاً مهماً في تاريخ المنطقة، إذ قدمت تجربة اشتراكية اتخذت من تغيير علاقات الملكية ومواجهة الهيمنة الأمريكية أساساً لمشروعها، وأثرت في أجيال من الحركات اليسارية والثورية.
وخلال الحرب الباردة، واجهت قوى اليسار حملات قمع وانقلابات عسكرية وتدخلات أمريكية، كان من أبرزها الانقلاب على حكومة سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973م، إلى جانب الحروب الداخلية والصراعات المسلحة في أمريكا الوسطى. وأسهمت هذه التجارب في تعميق الخلافات داخل اليسار حول وسائل الوصول إلى السلطة، والعلاقة بين الديمقراطية السياسية والتحول الاشتراكي، وإمكان تحقيق إصلاحات بنيوية عبر المؤسسات الانتخابية القائمة.

أزمة النيوليبرالية والقاعدة الاجتماعية لليسار
أدت أزمة الديون الخارجية خلال الثمانينيات إلى توسع برامج التكيف الهيكلي والخصخصة وتحرير التجارة وتقليص الإنفاق العام، تحت تأثير المؤسسات المالية الدولية والسياسات الاقتصادية التي تبنتها حكومات المنطقة. وأفضت هذه التحولات إلى إعادة هيكلة قطاعات الإنتاج والعمل، وإضعاف أجزاء من الحركة النقابية الصناعية، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة هشاشة العمل في قطاعات واسعة من المجتمع.
وفي المقابل، أسهمت الآثار الاجتماعية لهذه السياسات في ظهور حركات احتجاجية جديدة، شاركت فيها النقابات والفلاحون والسكان الأصليون والعاملون في القطاعات غير المنظمة والطبقات الوسطى المتضررة. واتسعت القاعدة الاجتماعية المعارضة للنيوليبرالية، وتطورت أشكال تنظيم سياسي تجاوزت الأحزاب الشيوعية التقليدية، كما حدث مع حزب العمال البرازيلي والحركة نحو الاشتراكية في بوليفيا والحركات الاجتماعية التي دعمت صعود اليسار في عدد من البلدان.
وقد حملت هذه التحولات تناقضاً أساسياً، إذ أضعفت إعادة الهيكلة الاقتصادية بعض القواعد التنظيمية التقليدية لليسار، بينما وسعت في الوقت نفسه القاعدة الاجتماعية للاحتجاج على السياسات الرأسمالية. وأصبح نجاح القوى اليسارية مرتبطاً بقدرتها على بناء تحالفات تضم الطبقة العاملة المنظمة والفئات الشعبية غير المنظمة والطبقات الوسطى، مع اختلاف مصالح هذه المكونات وتصوراتها لطبيعة التغيير الاقتصادي والاجتماعي.

الموجة الوردية الأولى:
بدأت الموجة الوردية الأولى بوصول هوغو تشافيز إلى الحكم في فنزويلا عام 1999م، ثم اتسعت مع صعود لولا دا سيلفا في البرازيل، ونيستور كيرشنر في الأرجنتين، وتاباري فاسكيز في أوروغواي، وإيفو موراليس في بوليفيا، ورافائيل كوريا في الإكوادور، إلى جانب تجارب يسارية وتقدمية أخرى.
واستفادت هذه الحكومات من ارتفاع أسعار المواد الأولية وتوسع الطلب الصيني، ما وفر موارد مالية سمحت بزيادة الإنفاق الاجتماعي وتوسيع الخدمات وتحسين الدخول وخفض الفقر في عدد من البلدان. كما عززت التعاون الإقليمي، ووسعت هامش الاستقلال السياسي عن الولايات المتحدة، ودعمت إنشاء أطر للتنسيق الاقتصادي والدبلوماسي خارج المؤسسات التقليدية الخاضعة للنفوذ الأمريكي.
غير أن الموجة الوردية ضمت مشاريع مختلفة في طبيعتها الاجتماعية والسياسية، فقد تبنت فنزويلا وبوليفيا والإكوادور برامج أوسع لإعادة توزيع السلطة الاقتصادية وتعزيز دور الدولة، بينما اتجهت البرازيل وأوروغواي إلى إصلاحات اجتماعية ضمن اقتصاد مختلط، مع المحافظة على علاقات واسعة مع القطاع الخاص ورأس المال الدولي. وأبقت معظم التجارب، بدرجات متفاوتة، على البنية القائمة على تصدير السلع الأساسية، ما حد من قدرتها على تغيير موقع اقتصاداتها في التقسيم الدولي للعمل.
ومع تراجع أسعار المواد الأولية وتباطؤ النمو الاقتصادي خلال العقد الثاني من القرن، بدأت التناقضات المالية والاجتماعية والسياسية تتفاقم، وتعرضت بعض الحكومات لأزمات شرعية وصراعات داخلية، واستعاد اليمين السلطة في الأرجنتين والبرازيل وبلدان أخرى. وكشفت هذه المرحلة أن التوسع في إعادة توزيع الدخل، رغم آثاره الاجتماعية المهمة، لم يكن كافياً وحده لتأسيس تحول اقتصادي يضمن استدامة المكاسب في مواجهة تقلبات السوق العالمية والصراع السياسي الداخلي.

الموجة اليسارية الثانية وحدودها
شهدت المنطقة منذ أواخر العقد الثاني صعوداً يسارياً جديداً، شمل فوز أندريس مانويل لوبيز أوبرادور في المكسيك عام 2018م، وعودة البيرونية إلى الحكم في الأرجنتين عام 2019م، وفوز لويس آرسي في بوليفيا عام 2020م، وغابرييل بوريتش في تشيلي عام 2021م، وغوستافو بيترو في كولومبيا عام 2022م، وعودة لولا إلى الرئاسة البرازيلية عام 2023م.
وجاءت هذه الموجة في ظروف اقتصادية أكثر صعوبة من الموجة الأولى، اتسمت بتباطؤ النمو وارتفاع المديونية وتداعيات جائحة كورونا والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، مع استمرار التفاوت الاجتماعي واتساع الاقتصاد غير الرسمي. كما واجهت الحكومات الجديدة مجتمعات أكثر استقطاباً، ومؤسسات سياسية تعاني ضعف الثقة، وقوى يمينية أكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة الإعلامية والانتخابية.
وتباينت برامج هذه الحكومات بين إصلاحات اجتماعية واقتصادية معتدلة، ومشاريع أوسع لتغيير النظام الضريبي وعلاقات العمل والطاقة والملكية، لكنها واجهت قيوداً مرتبطة بموازين القوى البرلمانية والمؤسساتية، وبمصالح رأس المال المحلي والأجنبي، وبضعف النمو الاقتصادي. وأصبح التناقض بين التوقعات الشعبية المرتفعة والموارد الاقتصادية والسياسية المحدودة أحد العوامل المؤثرة في استقرار التحالفات التي حملت اليسار إلى الحكم.
وتكشف التجربتان الأولى والثانية عن اختلاف مهم في الشروط التاريخية لصعود اليسار، فقد استفادت الأولى من دورة اقتصادية عالمية مواتية نسبياً، بينما جاءت الثانية في مرحلة اتسمت بتراجع قدرة الدولة على تمويل الإصلاحات الاجتماعية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتصاعد المنافسة السياسية والأيديولوجية. وقد انعكس هذا الاختلاف على قدرة الحكومات اليسارية على المحافظة على قاعدتها الاجتماعية وتقديم نتائج ملموسة خلال مدد حكمها.

أترك تعليقاً

التعليقات