التحولات في العقيدة الأمنية الصهيونية ومسألة الحرب الدائمة
- أنس القاضي الأحد , 23 أغـسـطـس , 2026 الساعة 2:18:10 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
«ورقة عوفر شيلح»، موضع التحليل، والصادرة عن «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» في 18 أغسطس الجاري 2026م، تعيد الجدل حول العقيدة الأمنية للكيان الصهيوني، وذلك بناءً على ما يسميه الكاتب «الاستراتيجية الأمنية الجديدة»، اعتماداً منه على تصريحات نتنياهو وقيادة جيش الاحتلال، والسلوك العسكري للكيان بعد 7 أكتوبر، وكتابات شخصيات قريبة من المؤسسة الأمنية الصهيونية، ونستخدم في هذا التحليل المفاهيم الصادرة في الخطاب الصهيوني، الإقرار بها، فلا حق للصهاينة في الوجود وما يترتب على ذلك من دولة وحكومة وأمن ومخاطر ومحاذير.. إلخ..!
لا تمثل هذه الورقة موضوع التحليل وثيقة حكومية أو عقيدة عسكرية معتمدة، بل نقداً داخلياً يصدر عن التيار الأمني المؤسساتي، يواجه هذا التيار اتجاهاً أمنياً ناشئاً داخل الكيان يتبنى سياسة «الحرب الدائمة»، والضربات الوقائية، والمناطق العازلة، واستخدام القوة لإعادة تشكيل الإقليم.
تكمن أهمية ورقة «شيلح» في أنها تضع التحولات العسكرية الجارية داخل إطار فكري واحد، لكنها لا تقدم نفسها كاستراتيجية أمنية شاملة، لذلك نتعامل معها في هذا التحليل بوصفها نموذج على الجدل الأمني «الإسرائيلي».
وقع الورقة داخل منظومة الأمن «الإسرائيلي»
لا تملك «إسرائيل»، حتى أغسطس 2026م، استراتيجية أمن قومي شاملة، على غرار استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وسبق أن خلص «تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي» الصادر في نوفمبر 2025م(1) إلى أن الحكومات «الإسرائيلية» لم تعتمد طوال تاريخ الدولة تصوراً رسمياً ملزماً للأمن القومي، رغم ست محاولات جرت بين عامي 1998م و2021م، كما بقي «تصور الأمن 2030م» الذي عرضه نتنياهو على «الكابينت» عام 2018م(2) من دون تصويت أو اعتماد رسمي.
أقر «الكنيست» في يونيو 2025م قانون استراتيجية الأمن القومي(3)، وألزم مجلس الأمن القومي بإعداد مشروع استراتيجية بعد تشكيل كل حكومة جديدة، على أن تعتمدها الحكومة أو «الكابينت» خلال خمسة أشهر، يعالج القانون الفراغ المؤسسي، لكنه لم ينتج بعد وثيقة عامة يمكن اعتبارها مرجعاً رسمياً للسلوك «الإسرائيلي».
تساعد التفرقة بين أربعة مستويات على تحديد طبيعة الوثائق «الإسرائيلية»، تحدد استراتيجية الأمن القومي(4) هوية الدولة ومصالحها العليا، وترتب التهديدات والفرص، وتوزع الموارد بين القوة العسكرية والاقتصاد والدبلوماسية والمجتمع، أما العقيدة الأمنية فتتكون من مبادئ مستقرة نسبياً لتنظيم المواجهة، مثل الردع والإنذار والدفاع والحسم، وتحدد الاستراتيجية العسكرية أساليب بناء الجيش وتشغيله لتحقيق الأهداف السياسية، وتترجم الخطط العملياتية هذه المبادئ إلى مهام وجداول زمنية وقوات وميزانيات.
تقع «ورقة شيلح»(5) خارج المستويات الأربعة؛ فهي مقالة تحليلية نقدية من سلسلة «رؤى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS»، والآراء الواردة فيها تخص مؤلفها، غير أنها تجمع تصريحات وقرارات وكتابات متفرقة، وتضعها ضمن نموذج تفسيري يمكن اختباره بمراقبة السلوك «الإسرائيلي».
العقيدة الكلاسيكية وإخفاق 7 أكتوبر
ارتبطت العقيدة «الإسرائيلية» الكلاسيكية بأفكار «ديفيد بن غوريون» أول رئيس للكيان، وبثلاثية الردع والإنذار المبكر والحسم، ثم أضيف إليها الدفاع، وقامت هذه العقيدة على إدراك محدودية العمق الجغرافي للكيان المحتل، وصغر عدد السكان، وعدم قدرة الاقتصاد على تحمل التعبئة الطويلة، ولذلك فضّلت الحروب القصيرة، والنقل السريع للقتال إلى أرض الخصم، وتحقيق حسم عسكري يوفر فترة هدوء أطول.
لم يفترض بن غوريون أن القوة العسكرية تستطيع إنهاء الصراع العربي -»الإسرائيلي» نهائياً؛ وكانت وظيفتها هزيمة الخصم في الحرب، ثم تثبيت الإنجاز بترتيب سياسي يحظى بدعم دولي وشرعية داخلية، وارتبط الأمن لديه بالتفوق التكنولوجي، ووحدة المجتمع، والاقتصاد، والعلاقة مع القوى الكبرى، إلى جانب مركزية جيش الاحتلال في «الدولة» والمجتمع الصهيوني.
يرفض شيلح تحميل هذه العقيدة مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر، فالضربات الوقائية كانت جزءاً منها، ولم تتضمن مبادئها احتواء حماس أو توزيع قوات محدودة على حدود غزة، ويعزو الفشل إلى الغرور العملياتي، وسوء تحليل الإنذارات، ونقص القوات، والسياسة التي رأت في حماس أداة لإضعاف السلطة الفلسطينية.
ومع ذلك فإن الفصل الحاد بين العقيدة والتنفيذ يحتاج إلى مراجعة، فقد ارتبط توزيع القوات، وإدارة حماس، والأولوية الممنوحة للتكنولوجيا والاستخبارات الدقيقة بقرارات سياسية وعسكرية ممتدة، لا بأخطاء ميدانية منفصلة، والأدق أن إخفاق 7 أكتوبر وقع في منطقة التفاعل بين العقيدة والسياسة والتنفيذ: بقيت المبادئ العامة قائمة، لكن ترجمتها العملية خضعت لتصور سياسي خاطئ عن طبيعة الخصم وحدود الردع.
تشكّل العقيدة الجديدة
يربط شيلح التحول الحالي بعدة روافد متداخلة، قدم نتنياهو تصور «إسبرطة الخارقة»، القائم على توسيع الإنتاج العسكري المحلي وزيادة الإنفاق الدفاعي والاستعداد لعزلة دولية ممتدة، وقدم بتسلئيل سموتريتش في «خطة الحسم» أساساً أيديولوجياً يعتبر السيطرة والاستيطان ومنع الدولة الفلسطينية وسائل لإنهاء الصراع بشروط «إسرائيلية»(6)، وظهر داخل المؤسسة العسكرية اتجاه يدعو إلى جعل الجيش قوة إقليمية تعمل بصورة متواصلة لتغيير البيئة السياسية والأمنية، بدلاً من انتظار تهديد مباشر، وأضافت صدمة 7 أكتوبر قبولاً أوسع لفكرة أن الردع والإنذار غير كافيين، وأن بقاء قدرات الخصم يمثل خطراً يجب إزالته مسبقاً.
تتكون العقيدة الناشئة من خمسة مبادئ. الأول اعتبار العزلة الدولية واقعاً دائماً ناجماً عن عداء خارجي لا تستطيع «إسرائيل» تغييره، والثاني السعي إلى استقلال أكبر في إنتاج الذخائر والأسلحة، والثالث خفض عتبة الضربات الوقائية، بحيث تصبح قدرة الخصم أو نيته المحتملة مبرراً للعمل العسكري، والرابع إنشاء مناطق عازلة بوجود «إسرائيلي» داخل غزة ولبنان وسوريا، والخامس استخدام القوة لتغيير المؤسسات والترتيبات السياسية والاقتصادية والأمنية في دول المنطقة.
تختلف هذه العقيدة عن «المعركة بين الحروب» التي استهدفت إضعاف تراكم قدرات فصائل المقاومة الفلسطينية اللبنانية وتأجيل المواجهة الكبرى؛ فالعقيدة الجديدة توسع العمليات الوقائية إلى مستوى أعلى من الشدة، وتتقبل الحرب بوصفها حالة مستمرة، وتمنح القوة العسكرية وظيفة سياسية تتجاوز إضعاف التهديد إلى تشكيل الإقليم.
استراتيجية فعلية أم اتجاه غير مكتمل؟
توجد قرائن عملية على أن الأمر يتجاوز الخطاب: ارتفاع مخصصات الدفاع، واستمرار العمليات متعددة الساحات، وإنشاء مناطق عازلة، والإصرار على حرية العمل العسكري بعد اتفاقات وقف إطلاق النار، وتكرار الدعوة إلى ضرب القدرات قبل نضجها، وقد تتحول العقيدة إلى مرجع فعلي من خـــلال الميزانيات وبنـــاء القـوة والأوامر العسكرية، حتــــى في غياب وثيقة رسمية.
لكن جمع هذه السياسات تحت استراتيجية واحدة يخفي خلافات داخلية، يسعى اليمين الديني إلى ضم الأرض والاستيطان، بينما تركز القيادة العسكرية على العمق الدفاعي وحرية العمليات، ويريد نتنياهو تقليل الاعتماد الخارجي، في حين تبقى «إسرائيل» مرتبطة بالسلاح والذخائر والتمويل والغطاء الأمريكي، وتتبنى المؤسسة العسكرية توسيع الحرب، ثم تحذر من انهيار الجيش بفعل الأعباء نفسها.
لذلك يمكن وصف الوضع بأنه عقيدة عملياتية ناشئة، لا استراتيجية أمن قومي مكتملة، اكتسبت مبادئها أثراً في استخدام القوة، لكنها لا تقدم ترتيباً واضحاً للمصالح والموارد، ولا تحدد حالة نهائية للحرب، ولا تحل التناقض بين الطموح الإقليمي والقدرة الاقتصادية والاجتماعية.
قدرات عقيدة «إسبرطة الخارقة»
تواجه العقيدة الجديدة قيداً عسكرياً يرتبط ببنية الجيش القائم على الاحتياط؛ فالحرب الدائمة تحتاج إلى قوات نظامية كبيرة، بينما صُمم الاحتياط للتعبئة القصيرة والحروب المحدودة زمنياً، وتحول الخدمة إلى نحو مائة يوم سنوياً يرفع كلفة الجندي الاحتياطي، ويضر بالأعمال والأسر والإنتاج، ويضعف الرغبة في الاستمرار بالخدمة.
ويتمثل القيد الاقتصادي في استحالة تحقيق اكتفاء تسليحي كامل لدولة صغيرة مندمجة في الاقتصاد العالمي، وبحسب الأرقام التي يعتمدها شيلح، بلغت النفقات الدفاعية نحو 7.3٪ من الناتج عام 2025م، مع توقع تجاوزها 8٪ في 2026م، بينما يحتاج استعادة مسار النمو إلى خفضها نحو 5.5٪. يؤدي استمرار الحرب إلى تقليص الموارد المخصصة للتعليم والبنية الأساسية والتكنولوجيا والخدمات، وهي قطاعات قامت عليها القوة العسكرية «الإسرائيلية».
أما القيد الخارجي، فيرتبط بالتناقض بين قبول العزلة والحاجة إلى الولايات المتحدة، تحتاج «إسرائيل» إلى الذخائر والاعتراضات الصاروخية والمعلومات الاستخباراتية والغطاء الدبلوماسي الأمريكي، وقد تؤدي محاولة فرض ترتيبات إقليمية تخالف الأولويات الأمريكية إلى تحويل واشنطن من مصدر تمكين إلى قيد على العمليات.
وتبقى مشكلة الغاية السياسية أكثر القيود عمقاً، تستطيع القوة تدمير منشآت واحتلال أراضٍ وإضعاف تنظيمات، لكنها لا تضمن إنتاج نظام سياسي مستقر ومواتٍ، وقد انتهت محاولات إعادة تشكيل لبنان، وتغيير النظام العراقي، وتجارب القوى الغربية في أفغانستان، إلى نتائج تخالف أهداف أصحابها، وكلما غابت النهاية السياسية، تحول التفوق العسكري إلى استنزاف متراكم.
الآثار الإقليمية واليمنية
ترفع العقيدة الجديدة احتمال استخدام القوة ضد قدرات ترى «إسرائيل» أنها قد تصبح خطرة مستقبلاً، حتى في غياب استعداد مثبت للهجوم، كما تجعل اتفاقات وقف إطلاق النار ترتيبات مؤقتة مشروطة بحرية العمل «الإسرائيلي»، وتدفع نحو توسيع شبكات الإنذار والدفاع الجوي والأمن البحري مع الدول العربية.
أما تطبيقها على اليمن فيبقى استنتاجاً تحليلياً؛ لأن ورقة شيلح لا تقدم خطة «إسرائيلية» خاصة بالجبهة اليمنية، ويمنع البعد الجغرافي تطبيق نموذج المناطق العازلة والوجود البري، لذلك يرجح أن تتركز الأدوات «الإسرائيلية» في الضربات الجوية بعيدة المدى، والاستخبارات، والدفاع الصاروخي، والاعتراض البحري، والحرب الاقتصادية، والتعاون مع الولايات المتحدة والسعودية والقوى التابعة لها.
وتغدو القدرة الصاروخية والمسيّرة اليمنية، وفق منطق العقيدة الجديدة، هدفاً قائماً بذاته بصرف النظر عن مستوى استخدامها في لحظة معينة، ما يرفع مخاطر العمليات الوقائية خلال فترات التهدئة. وفي المقابل تفرض الجبهة اليمنية قيوداً كبيرة على «إسرائيل»، منها المسافة، وصعوبة إنتاج معلومات استخباراتية مستمرة، وغياب خيار بري قابل للتطبيق، وارتفاع كلفة الاعتراض، وعدم قدرة الضربات الجوية وحدها على إنهاء التهديد.
تقدير الموقف
يرجح أن تترسخ العقيدة «الإسرائيلية» الناشئة خلال المدى القريب في صورة ممارسة عملياتية، حتى إذا تعذر تحويلها إلى استراتيجية أمن قومي رسمية، إذ تمنح صدمة 7 أكتوبر والائتلاف اليميني وقيادة الجيش استمرار الضربات الوقائية وحرية العمل خارج الحدود غطاءً سياسياً ومؤسسياً واسعاً، ولن تدفع القيود الاقتصادية والاجتماعية «إسرائيل» إلى التخلي سريعاً عن هذا المسار، بل إلى تكييفه عبر حروب انتقائية قصيرة، وعمليات استخباراتية واقتصادية ممتدة، وشبكات دفاع إقليمية تتحمل فيها الولايات المتحدة والدول العربية المتحالفة جزءاً من الكلفة.
وفي الحالة اليمنية، يرفع اعتبار الكيان الصهيونية القدرة العسكرية تهديداً قائماً بذاته احتمال استهداف البنية الصاروخية والمسيّرة خلال فترات التهدئة، غير أن المسافة، وضعف المعلومات، وغياب الخيار البري، وصعوبة تحقيق حسم جوي، ستدفع «إسرائيل» إلى الجمع بين الضربات المتقطعة، والاعتراض البحري، والضغط الاقتصادي، والتعاون الاستخباراتي والعسكري مع واشنطن والرياض والقوى التابعة لها داخل اليمن.
وسيبقى التصعيد الصهيوني الواسع مرتبطاً بتوافر معلومات استهداف كافية، وضمان الإسناد الأمريكي، واندماج السعودية في منظومة المواجهة، وقدرة «إسرائيل» على تحمل الرد اليمني واستنزاف دفاعاتها وجبهتها الداخلية.
أما استمرار العمليات اليمنية من دون تمكين «إسرائيل» من تحقيق نتيجة حاسمة، فسيفاقم التناقض بين عقيدة الحرب الدائمة ومحدودية الموارد، ويدفعها إلى نمط دوري من الضربات والتهدئة وبذلك لا يتمثل الخطر الأرجح في حرب «إسرائيلية» قادرة على إنهاء الجبهة اليمنية، بل في تحويلها إلى ساحة استنزاف مفتوحة تتداخل فيها الضربات المباشرة مع الأدوات.
الهوامش:
(1) مراقب الدولة الإسرائيلي، «غياب تصور للأمن القومي وأثره على العمليات المركزية في المستوى السياسي والجيش»، نوفمبر 2025، متوفر على الرابط:
https://library.mevaker.gov.il/sites/DigitalLibrary/Pages/Reports/9155-1.aspx
(2) مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، «عرض تصور الأمن 2030 على الكابينت»، 15 أغسطس 2018م، [متوفر على الرابط: https://www.gov.il/he/pages/spoke_security150818
(3) الكنيست الإسرائيلي، «إقرار قانون استراتيجية الأمن القومي»، 10 يونيو 2025م، [متوفر على الرابط:
https://main.knesset.gov.il/News/PressReleases/pages/press10062025p.aspx.
(4) مكتب رئيس الأركان، «استراتيجية الجيش الإسرائيلي»، 2018م، متوفر على الرابط: https://www.idf.il/media/3cdhcgro/strategy.pdf
(5) عوفر شيلح، «الاستراتيجية الأمنية الجديدة: منطق معيب وتهديد للأمن القومي»، معهد دراسات الأمن القومي، 18 أغسطس 2026م، متوفر على الرابط: https://www.inss.org.il/publication/new-security-concept
(6) بتسلئيل سموتريتش، «خطة الحسم»، 2017م.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي