كيف خُلق ترامب؟!
- أنس القاضي الأربعاء , 29 أبـريـل , 2026 الساعة 1:18:21 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
رأسمالي أمريكي يحكم أمريكا شخصياً، وخطاب عدواني بدون أي مُحسنات ديمقراطية، إنها ظاهرة ترامب! وهي حصيلة ونتاج لمسار تاريخي طويل داخل الإمبريالية الأمريكية، يرتبط بتحولات عميقة في بنية الاقتصاد الأمريكي، وصراع الطبقات، وآليات الحكم، والبنية الثقافية، وموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، وتتجاوز هذه الظاهرة حدود الشخصية السياسية -فليست المشكلة في ترامب بل في المنظومة- لتعبّر عن مرحلة تتكثف فيها التناقضات داخل المركز الرأسمالي، وتظهر فيها أنماط سياسية وخطابية أكثر مباشرة ووقاحة في التعبير عن المصالح الإمبريالية، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متراكمة سدت الآفاق أمام النظام.
أزمة التراكم وتآكل القاعدة الاجتماعية
دخل الاقتصاد الأمريكي منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008م مساراً اتسم بتباطؤ النمو، وتراجع الاستثمار الإنتاجي، وتوسع النشاط المالي، وترافق ذلك مع تعمق الفوارق الطبقية واتساع فجوة الدخل، وتراجع القدرة الشرائية لقطاعات واسعة، خصوصاً داخل الطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخياً ركيزة الاستقرار.
أدت هذه التحولات إلى تحميل فئات واسعة كلفة العولمة الاقتصادية، في حين استفادت قطاعات محدودة مرتبطة برأس المال المالي والتكنولوجي، ونتج عن ذلك شعور متزايد بفقدان الأمان الاقتصادي والاجتماعي، وارتبط هذا الشعور بتراجع الثقة في المؤسسات السياسية والاقتصادية التي بدت عاجزة عن معالجة هذه الاختلالات. وفي هذا السياق، توفرت قاعدة اجتماعية قابلة لتبني خطاب يركز على استعادة السيطرة الاقتصادية داخل الحدود الوطنية، ويقدّم نفسه بوصفه معبّراً عن مصالح المجتمع في مواجهة النخب، وهو ما مهّد لصعود التيارات الشعبوية بوصفها استجابة لهذه التوترات.
الانقسامات في الطبقة المهيمنة
في هذه المرحلة شهدت الولايات المتحدة انقسامات داخل الطبقة الرأسمالية ذاتها التي هي في آن في حالة صراع مع الطبقة العاملة واشتباك مع الطبقة الوسطى، حيث برز تباين بين قطاعات رأسمالية ترتبط بالأسواق العالمية وسلاسل الإنتاج العابرة للحدود، وقطاعات أخرى تضررت من انتقال الإنتاج إلى الخارج وتراجع الصناعة التقليدية؛ فعبّرت سياسات إدارة ترامب عن مصالح هذا الجزء الأخير من الرأسمال، عبر التركيز على الحماية التجارية، وفرض الرسوم، والضغط لإعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة، وهو ما خلق توترات داخلية بين مراكز القوة الاقتصادية، وأعاد طرح سؤال اتجاه الاقتصاد الأمريكي في ظل المنافسة الدولية.
أزمة الشرعية السياسية
ولأن الاحتكار يعني نفي الديمقراطية بحسب تعبير لينين، فقد شهد النظام السياسي الأمريكي خلال العقدين الأخيرين تراجعاً في الثقة بالمؤسسات، وتصاعداً في الاستقطاب، وتزايداً في الشعور بعدم تمثيل النخب الحاكمة للمجتمع، وترافق ذلك مع أزمات متكررة في إدارة الملفات الداخلية. أدى هذا السياق إلى تحول في نمط القيادة، حيث تراجع الخطاب الإداري التوافقي، وبرز خطاب مباشر يعتمد على التعبئة، ويخاطب المخاوف والهواجس بشكل صريح، ويعيد بناء العلاقة بين القائد والجمهور على أساس الاتصال المباشر، وفي هذا الإطار، اعتمد ترامب أسلوباً يقوم على تجاوز الوسائط التقليدية، وتقديم نفسه ممثلاً لإرادة المجتمع في مواجهة المؤسسة، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل المجال السياسي وتغيير قواعد التفاعل داخله.
الإعلام الجديد وظاهرة الشعبوية
أسهمت وسائل الإعلام، خصوصاً المنصات الرقمية، في إعادة تشكيل المجال العام، حيث تراجع دور الوسائط التقليدية التي كانت تضبط الخطاب، وبرزت قنوات مباشرة تسمح بوصول الرسائل السياسية إلى الجمهور دون تصفية أو إعادة صياغة. أدى هذا التحول إلى صعود خطاب سريع الانتشار، يعتمد على التكرار والتأثير العاطفي، ويُسهّل بناء علاقة مباشرة بين القيادة والجمهور، وهو ما وفّر بيئة ملائمة لنمو الشعبوية، وتعزيز حضورها في الفضاء السياس. وفي هذه البيئة، لم يعد الخطاب السياسي مرتبطاً بالتحليل التفصيلي، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالقدرة على التأثير، وهو ما منح الأسلوب المباشر ميزة واضحة في المنافسة السياسية.
البعد الثقافي والهوياتي
قد يَظهر المجتمع الأمريكي مُستقراً من الخارج، لكنه من الداخل يعاني من صراعات حقيقية، وترتبط التحولات الاقتصادية والسياسية بتغيرات ملموسة داخل المجتمع، حيث ارتفعت معدلات الهجرة من أمريكا اللاتينية وآسيا، وتسارعت التحولات الديموغرافية التي تشير إلى تراجع الوزن النسبي للبيض من أصول أوروبية داخل بعض الولايات، وترافقت هذه التحولات مع انتقال الوظائف الصناعية من ولايات الوسط إلى الخارج، ما أثّر بشكل مباشر على فئات من العمال والطبقة الوسطى. في هذا السياق، نشأ شعور لدى هذه الفئات بأنها تخسر موقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في آن واحد، وارتبط هذا الشعور بتصاعد الخطاب الذي يربط بين فقدان الوظائف والهجرة، وبين التغير الثقافي وتراجع «الهوية الأمريكية التقليدية».
استفاد دونالد ترامب من هذا المناخ، حيث ركّز خطابه على قضايا مثل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وتشديد سياسات الهجرة، والدعوة إلى حماية «العمال الأمريكيين»، وقدم هذه القضايا بوصفها جزءاً من معركة أوسع تتعلق باستعادة المكانة داخل المجتمع. أدى هذا الربط بين الاقتصاد والهوية إلى توسيع قاعدة التأييد للشعبوية، حيث لم يعد الدعم قائماً فقط على المصالح المادية، بل أيضاً على الإحساس بالانتماء والتهديد الثقافي، وهو ما منح الخطاب السياسي قدرة أكبر على التعبئة، ورفع مستوى حدّته وتأثيره داخل المجال العام.
العدو الخارجي!
ترافقت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية مع حاجة متزايدة لإعادة بناء التماسك داخل المجتمع، وارتبط ذلك بتوظيف سردية العدو الخارجي كأداة سياسية مركزية، حيث جرى توجيه الخطاب العام نحو إبراز قوى خارجية بوصفها مصدر التهديد، وربط الأزمات الداخلية بعوامل خارجية، بما يمنح القيادة السياسية إطاراً لتفسير الصعوبات وتعبئة الجمهور.
ظهر هذا التوجه في تصعيد الخطاب تجاه الصين في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، وتجاه إيران في المجال الجيوسياسي وصولاً إلى العدوان المباشر 28 فبراير 2026م، إلى جانب توظيف ملف الهجرة داخل الخطاب السياسي بوصفه امتداداً للتهديد الخارجي داخل الحدود، وهو ما أسهم في إعادة ترتيب أولويات النقاش العام وتحويل التوترات الاجتماعية إلى قضايا أمنية.
يؤدي هذا الاستخدام إلى توجيه الغضب الاجتماعي الأمريكي نحو الخارج، ويمنح السلطة قدرة أكبر على إدارة التناقضات الداخلية، ويعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة على أساس الخطر المشترك، وهو ما يعزز من فاعلية الخطاب الشعبوي.
التحول في بنية النظام الدولي
دخل النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين مرحلة اتسمت بتغير في توزيع القوة، حيث صعدت قوى كبرى مثل الصين، واستعادت روسيا جزءاً من حضورها في أوروبا، وهو ما أدى إلى اتساع مجالات التنافس على التكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات الاستراتيجية، فرض هذا التحول قيوداً على حركة الولايات المتحدة، ورفع مستوى التوتر في العلاقات الدولية، ووسع نطاق الاحتكاك بين القوى الكبرى، وهو ما انعكس في سياسات أكثر صدامية، وتكثيف الضغوط الاقتصادية، ورفع مستوى التهديد العسكري، بما يعكس انتقالاً نحو بيئة دولية تتسم بارتفاع حدة المنافسة.
سفور الخطاب الإمبريالي
تعكس المرحلة الثانية من حكم دونالد ترامب تكثفاً لهذه العوامل، حيث برزت درجة أعلى من الصراحة في التعبير عن الأهداف الإمبريالية، وظهر خطاب مباشر يتناول «الحق» الأمريكي في السيطرة على الموارد ونهب الشعوب، واستخدام القوة والعدوان، وفرض الشروط على الحلفاء والخصوم، وقد ارتبط هذا التصاعد في الخطاب الفج بتراكم الضغوط الداخلية، واتساع التحديات الخارجية، وتضييق هامش الحركة الدبلوماسية، وهو ما دفع نحو اعتماد سياسات عدوانية تتجاوز ماهو متعارف عليه من آليات ونظم في إدارة العلاقات الدولية، لتعود الإمبريالية إلى وقاحة مرحلة صيد البشر وتجارة العبيد! وهنا نجد مدى التطابق ما بين الطبيعة الإمبريالية للولايات المتحدة وبين شخصية ترامب ذاته.
التاريخ والترامبية!
نتجت ظاهرة دونالد ترامب عن تفاعل مركّب بين جملة من التحولات البنيوية داخل الولايات المتحدة والنظام الدولي، حيث تتقاطع أزمة التراكم الاقتصادي مع الانقسام داخل الرأسمال، وتراجع شرعية المؤسسات السياسية، والتغيرات الثقافية والهوياتية، إلى جانب صعود قوى دولية منافسة وتزايد الضغوط الخارجية، يعمل كل من هذه العوامل ضمن سياق مترابط يُعيد تشكيل المجال السياسي، ويُنتج نمطاً من القيادة يقوم على التعبئة الداخلية وربطها المباشر بالعدو الخارجي.
إنها مرحلة تتداخل فيها الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مع التحديات الدولية، وتُدفع فيها السياسة نحو التعبير المباشر عن المصالح، حيث يكتسب الخطاب طابعاً أكثر حدّة، وترتبط أدوات الفعل السياسي بقدرة أكبر على الحشد والعدوان، وفي هذا الإطار، لا تبرز ظاهرة ترامب كظاهرة مرتبطة بشخص بل تعبيراً مكثفاً عن مأزق الدولة الأمريكية الإمبريالية ذاتها.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي