الحد الأدنى للعدالة الاجتماعية
- أنس القاضي السبت , 28 فـبـرايـر , 2026 الساعة 2:13:45 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
لا تفهم العدالة، في مرحلتها التاريخية الراهنة، بوصفها مفهوماً تجريدياً أو قيمة أخلاقية عامة قابلة للتأويل، بل باعتبارها بنية اجتماعية ملموسة تتجسد في مجموعة من الحقوق الأساسية التي تشكل الحد الأدنى الضروري لحياة كريمة ومستقرة، فالحديث عن العدالة، في سياق المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية وتفاوتات حادة وضعف مؤسسي، لا يمكن أن يبقى محصوراً في الشعارات أو المبادئ العامة، بل ينبغي أن يرتبط بمضامين محددة تتصل مباشرة بشروط العيش اليومية وبقدرة الإنسان على الاستمرار داخل المجتمع دون أن يفقد كرامته أو استقراره.
ويتمثل هذا الحد الأدنى من العدالة في مجموعة من الحقوق التي لا يجوز أن تترك لقوى السوق وحدها، ولا أن تُعامل بوصفها امتيازات تمنح أو تسحب، بل بوصفها حقوقاً اجتماعية عامة ينبغي تثبيتها داخل بنية الدولة والمجتمع، ويأتي في مقدمة هذه الحقوق حق السكن اللائق، بوصفه شرطاً أولياً للاستقرار الأسري والنفسي، إذ لا يمكن الحديث عن مواطنٍ فاعل أو منتج في ظل غياب الحد الأدنى من الأمان المكاني الذي يمنحه السكن المستقر؛ فالسكن لا يمثل مجرد مأوى، بل هو الإطار الذي تتشكل داخله العلاقات الاجتماعية، وتنمو فيه الأسرة، ويشعر الإنسان من خلاله بالانتماء والطمأنينة.
وإلى جانب ذلك يبرز الحق في الرعاية الصحية بوصفه أحد أهم أعمدة العدالة الاجتماعية، لأن المرض لا يهدد الفرد وحده، بل يهدد قدرته على العمل والإنتاج، ويؤثر في استقرار الأسرة والمجتمع معاً، وحين تصبح الصحة سلعة خاضعة بالكامل للقدرة على الدفع، فإن الفئات الأضعف تترك لمصيرها، وتتعمق الفجوة بين من يملكون القدرة على العلاج ومن لا يملكونها، ومن هنا فإن وجود نظام صحي عام، ولو في حدوده الأساسية، يمثل تجسيداً مباشراً لفكرة العدالة بوصفها حمايةً للإنسان في لحظات ضعفه وعجزه.
ويأتي التعليم في موقع لا يقل أهمية، لأنه الأداة الأعمق تأثيراً في تشكيل الوعي الاجتماعي وفتح آفاق التقدم الفردي والجماعي، فالمجتمع الذي يحرم أفراده من فرص متكافئة في التعليم يعيد إنتاج التفاوت جيلاً بعد جيل، ويغلق أبواب الصعود الاجتماعي أمام الفئات الأقل حظاً، أما حين يتسع نطاق التعليم العام وتتحسن جودته، فإنه لا يسهم فقط في إعداد القوى العاملة، بل يعزز الإحساس بالمواطنة ويخلق قاعدة معرفية مشتركة تسمح بتطور المجتمع في اتجاه أكثر توازناً واستقراراً.
وفي صميم هذه الحقوق أيضاً يبرز حد أدنى عادل للأجور، بوصفه الضمانة الأساسية لكرامة العمل، فالعمل، مهما كان نوعه، ينبغي أن يوفر لصاحبه القدرة على العيش الكريم، لا أن يبقيه أسيراً للفقر رغم جهده اليومي، وعندما تنخفض الأجور إلى مستوى لا يغطي الحاجات الأساسية، فإن ذلك لا يمثل مجرد خلل اقتصادي، بل يعكس اختلالاً عميقاً في التوازن الاجتماعي، ويؤدي إلى شعور واسع بالظلم وانعدام الأمان، ويضعف الانتماء للمجتمع والدولة معاً.
ويكتمل هذا الحد الأدنى بوجود نظام ضمان اجتماعي يحمي الإنسان في مراحل الضعف والعجز، سواء بسبب المرض أو البطالة أو الشيخوخة، فالضمان الاجتماعي لا يمثل مساعدة مؤقتة، بل يعكس اعتراف المجتمع بحق أفراده في الحماية من تقلبات الحياة القاسية، ويؤسس لشعور عام بأن المجتمع لا يترك أفراده لمصيرهم حين يفقدون قدرتهم على الكسب.
إن تثبيت هذه الحقوق مجتمعة لا يعد مجرد سياسة اجتماعية عابرة، بل يشكل الأساس المادي الذي يقوم عليه الاستقرار الاجتماعي؛ فحين يشعر الأفراد بأن هناك حداً أدنى مضموناً من الحياة الكريمة، يتراجع القلق الوجودي الذي يرافق الفقر، ويزداد الاستعداد للمشاركة في العمل والإنتاج، وتتعزز الثقة بالمؤسسات العامة، أما حين تغيب هذه الضمانات، فإن المجتمع يصبح أكثر عرضة للتوتر والانقسام، وتزداد حدة الصراعات حول الموارد المحدودة، ويتسع الشعور بالظلم وفقدان الأمل.
ولا يعني التركيز على هذا الحد الأدنى من العدالة أن المسألة تتوقف عنده أو أن الهدف هو مجرد تخفيف القسوة الاجتماعية، بل إنه يمثل أرضية أولى لا غنى عنها لأي مسار تنموي أو تحولي أعمق، فالإنتاج لا يمكن أن يستقر، ولا أن يتطور، في ظل مجتمع يعاني أفراده من الفقر المدقع وانعدام الأمان، كما أن المشاركة الاجتماعية لا يمكن أن تتسع في ظل غياب الحد الأدنى من الكرامة المعيشية.
ومن هنا فإن العدالة، في هذه المرحلة، تفهم بوصفها تثبيتاً عملياً لهذه الحقوق داخل بنية المجتمع، بحيث تتحول إلى عناصر مستقرة لا تخضع للتقلبات السياسية أو الاقتصادية الحادة، فهي ليست مجرد سياسات قابلة للتغيير، بل ركائز يقوم عليها التوازن الاجتماعي، ومؤشرات على اتجاه الدولة نحو خدمة المجتمع لا نحو خدمة فئات بعينها، وكلما ترسخت هذه الحقوق واتسع نطاقها، اقترب المجتمع من حالة أكثر استقراراً وتماسكاً، واتسعت أمامه إمكانيات التطور والنهوض على أسس أكثر عدلاً وإنسانية.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي