المحرومون في تجارب الثورة العالمية
 

أنس القاضي

أنس القاضي  / لا ميديا -

خطاب السيد قائد الثورة لدمج الفقراء المحرومين، الفئة الأشد ضعفاً من بين كل المستضعفين اليمنيين «أحفاد بلال»، تعبير صادق عن الأهداف الإنسانية التقدمية العادلة لثورة 21 أيلول ولمشروع المسيرة القرآنية لتحرير الإنسان للخضوع لما سوى الله من طواغيت ومن ظروف اجتماعية لا إنسانية. توجهات السيد تصب في مجرى تجارب الثورة العالمية في العصر الحديث بكيفياتها المختلفة. وفي حالة تنفيذ هذا التوجيه الثوري ستثرى التجربة اليمنية الإنسانية في انتشال الفئات الأشد فقرا وتخلفا وتهميشاً من واقعها إلى المكانة اللائقة بإنسانيتها، وستدرس التجربة اليمنية ويُستفاد منها، مثلما أننا ندرس اليوم تجارب الآخرين. 
إن جذور التفاوت الاجتماعي تمتد في بنية الحياة الاقتصادية وسيرها الطبيعي، وتحافظ عليه المؤسسات الاجتماعية والقانونية الرئيسية في عصره. وفي كل المجتمعات هناك فئات محرومة وتعيش على هامش الحياة الاجتماعية الاقتصادية السياسية، فالجوهري في هذه الفئات أنها الأشد فقراً وحرماناً والحلقة الأضعف داخل الطبقة الاجتماعية الفقيرة أياً كان أصلها القومي والديني ولون بشرتها، فتحل قضيتها بانتزاع فائض الثروة الاجتماعية وإعادة توزيعها. 
في تجربة الثورة العالمية المرافقة لحركة التحرر الوطنية، برزت تجارب إنسانية عادلة، كلها قصدت انتشال أكثر الفئات الاجتماعية تخلفا وبؤسا وحرماناً وفقراً من واقعها البائس والارتقاء بها. في مختلف الثورات كانت التجارب تتخذ شكل طبيعة المظلومية والحياة الاجتماعية في بلدها، وطبقت بأشكال مختلفة، وفقاً للظروف التاريخية؛ فمن الانتزاع الثوري كما في التجربة البلشفية، ومن هبة السلطة للفقراء أموال الأغنياء كما في التجربة الإيرانية، إلى التفاعل بين المجتمع والدولة مع تحمل الدولة للثقل الأكبر كما في التجربة الكورية. وهذه التجارب الثلاث عينات من ثورات عديدة عبر تاريخ الإنسانية هدفت إلى تحرير الإنسان من واقع العبودية والاستغلال والحرمان.

الثورة الإسلامية الإيرانية
مرت الثورة الإيرانية بمرحلتين: المرحلة الأولى دامت تقريبا من منتصف 1977 إلى منتصف 1979، وشهدت تحالفاً بين الليبراليين واليساريين والجماعات الدينية لإسقاط الشاه. المرحلة الثانية، «الثورة الخمينية». أتت أولى مظاهر المعارضة من الطبقة الوسطى في المدن، المطالبين بالملكية الدستورية، فيما كان اليساريون يطرحون الجمهورية الديمقراطية، وكذلك الجبهة الوطنية التابعة لمصدق. كان القمع الشديد من قبل جهاز الأمن السياسي والجيش للمظاهرات الطلابية يزيد من اشتعالها، ويجذب شرائح أكبر من المجتمع للانخراط في الثورة. وواجهت تحديات الثورة المضادة الداخلية والخارجية، وكان أبرزها الغزو العراقي، فقد كان نظام الشاه يُمثل الحارس الأول لمصالح الإمبريالية الأمريكية وحلف الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط.
اقترن تثبيت السلطة بتحولات اجتماعية زادت من شعبية الحزب الجمهوري الإسلامي الثوري. وقد نجحت الثورة في توحيد شرائح من الطبقة الوسطى، والبرجوازية الصغيرة، وتثبيت موقعها في السلطة، إذ تم استيعاب 13000 مدير إيراني، بدلاً من المدراء الأجانب القدامى، وتم تحويل ملكيات البرجوازية الكبيرة للقطاع العام، مما زاد شعبية الثورة في نظر الفقراء والكادحين؛ فجعلهم يدافعون عن النظام الثوري الجديد في الحرب ضد العدوان العراقي. 
الإصلاحات الاقتصادية التي جرت لصالح الفقراء رسخت مواقع الثورة، فقد كان وضع الفقراء المحرومين في مقدمة أولويات النظام الثوري الجمهوري الجديد. ويتضح هذا النهج من التصريح التالي لقائد الثورة آية الله الخميني بتاريخ 3 ربيع الثاني / 2 آذار مارس 1979: 
«لا بد من حل مسألة السكن بأسرع وقت، وبخاصة إلى نساء الفقراء في إيران. ولا بد من تزويد كل أسرة بالمنزل الذي تحتاج إليه؛ ولا بد من تقديم الماء والكهرباء مجاناً للفقراء والمساكين.
أعتقد أن أغلب الثوار الحقيقيين، أقصد أولئك الذين كانوا هم القوة العظيمة الضاربة في هذه الثورة، هم من الطبقات المحرومة، وهم الذي تحملوا العبء الأكبر وقدموا التضحيات السخية من الشهداء والقتلى، وظفروا بإكليل النصر بقوة إيمانهم واعتقادهم الراسخ. إنهم اولئك الذين لم يكونوا يوماً من الأغنياء أو الارستقراطيين، بل من طبقة الحفاة. 
لقد أمرتُ بتقسيم ثروات الشاه وورثته على المساكين والمحتاجين فقط لا غير، سواء منها الأموال الموجودة في إيران، أم تلك الموجودة في الخارج، بعد مصادرتها، وأن يتم إنفاق تلك الأموال على بناء المساكن ووسائل الرفاهية الأخرى لهذا الشعب».

جاءت الثورة السوفييتية في ظروف تخلف إنتاجي زراعي واتساع شريحة الفلاحين الفقراء والمعدمين المملوكين كأقنان. ونتيجة رفع الثورة شعار «الأرض لمن يفلحها» اندفع الفلاحون إلى صفوف الثورة 1917 ولعبوا دوراً حاسماً فيها على عكس ثورة 1905 التي تستطع أن تستقطب الريف وفقراء الفلاحين. 
 لعب الفلاحون دوراً كبيراً في الثورة البلشفية، فكان أول الإجراءات الثورية بعد السيطرة على السلطة من قبل مجالس الحكم الشعبية (السوفييتيت) هو إنصاف هؤلاء المحرومين والكادحين وإعادة توزيع الثروة وإعادة الاتزان للحياة الاجتماعية الاقتصادية، على عكس ما كانت عليه سابقا. وهكذا فقد هدفت عملية الإصلاح الزراعي في المقام الأول لحل مشكلة هذه الطبقة الاجتماعية التي عاشت ظروف الاستعباد والحرمان لدى كبار المُلاك في العهد القيصري.
على العكس التجربة الإيرانية حيث تم توزيع ممتلكات السلطة الحاكمة مباشرة إلى المحتاجين عن طريق بناء المساكن الفقراء وإدخال الخدمات لهم بمبادرة من الحكومة الثورية، ففي التجربة البلشفية خاض المحرومون مباشرة بمساعدة من الحزب الثوري عملية تحرير أنفسهم. 
شرع الفلاحون أنفسهم بتنفيذ مرسوم الأرض الصادر عن مؤتمر عموم روسيا من أجل تصفية الرق الإقطاعي. وفي الواقع كانت «اللجان الزراعية» في النواحي ومجالس نواب الفلاحين هي التي حملت عبء القضاء على ملكية الملاك العقاريين للأرض وتحويلها على ملكية اجتماعية.
وفي التجربة السوفييتية جرت عملية تأميم الأرض من أجل حل مشكلة الفلاحين الفقراء على شكلين من أشكال التأميم: الأول: تأميم الأرض وتوزيعها للفلاحين تأميماً تاماً مع التعويض الجزئي في بعض الأحيان. والآخر: التأميم الجزئي الذي ينقل إلى ملكية الدولة قسم من الأراضي المفلوحة، والقسم الأكبر تقدم للفلاحين كملكيات خاصة. 
ووفقاً لهذا التأميم فقد وجد شكل الملكية التعاوني، الذي ظهر نتيجة الاتحاد الطوعي لاستثمارات الفلاحين والحرفيين الصغيرة. وتألف الملكية هذا من قسم من الأراضي والآلات الزراعية والماشية والمؤسسات المساعدة لتحويل المواد الأولية الزراعية، والمحاصيل المنتجة في التعاونيات، وشبكة المؤسسات التجارية التابعة للتعاونيات، وكذلك التعاونيات الحرفية بمرافقها المختلفة.
وقد أكد قانون التأميم أن المواطنين الذين سيزرعون الأرض بأنفسهم هو الوحيدون الذين من حقهم استغلال هذه الأرض. وكان هؤلاء هم بالدرجة الأساسية الفلاحين المعدمين والعمال الزراعيين. ودعم القانون تحالف الطبقة العاملة مع فقراء الفلاحين.
وقد قال لينين في خطابه أمام لجان الدعاية الحزبية المتوجهة إلى الريف: «يجب معاونة الفقراء لا بالكتب بل بالخبرة وبنضالكم الحقيقي. إننا لم نصادر الأرض من الملاك العقاريين كي تؤول إلى الأغنياء والكولاج (كبار الفلاحين)». 
كان تنفيذ القوانين الزراعية السوفييتية ظاهرة استثنائية في تاريخ البشرية، فقد سُلمت لملايين المحرومين والمعدمين الذين لا يملكون شيئاً الأراضي والآلات الزراعية والماشية، وهو ما ضمن لهم الارتقاء بحياتهم الاجتماعية في أوساط الشعب بعد أن كانوا رقيقا. 
لكوريا الديمقراطية الشعبية تجربة هامة على مستوى التقريب ما بين حياة الريف والمدينة وتحرير الريف من استغلال تجار المدينة، والارتقاء بواقع الريفيين اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ومسألة الإسكان الاشتراكي الريفي هي من أهم عناصر هذه التجربة في كوريا الديمقراطية (الشمالية). 
عاش الفلاحون الكوريون طيلة حياتهم إلى ما قبل الاستقلال 1945، في أكواخ من القش والقصب والخشب، فمثلت مسألة الإسكان بالنسبة للقيادة الثورية في كوريا أولوية ملحة، باعتبارها أكثر المشاكل حدة في حياة الفلاحين، وأدت الآثار القاسية للحرب المضادة للثورة والتدخل الأجنبي الأمريكي إلى تفاقم مشكلة الإسكان في الريف الكوري بشكل خاص.
مع تحرير الفلاحين من نمط الإنتاج الإقطاعي عبر الإصلاح الزراعي وتمليكهم الأرض، ومع ارتفاع مستوى معيشة الفلاحين الكوريين قاموا ببناء أعداد كبيرة من المنازل الجديدة بعد تشكيل فيلق البناء الريفي، وتحسنت حالة الإسكان في المناطق الريفية بطريقة حاسمة. 
وفي هذه المسألة يقول قائد الثورة الكورية كيم إل سونغ: «من أجل حل أكثر نجاحاً لمشكلة الإسكان في الريف يجب علينا أن نبني منازل حديثة للفلاحين على نفقة الدولة تماما، ويجب أن يستمر بناء المنازل في الريف على نطاق واسع في المستقبل، إذا كان الهدف هو توفير منازل حديثة جيدة لجميع الفلاحين. ولا تقف مسؤولية الدولة عن حد توفير المواد والأموال اللازمة والعمل فقط، بل يجب عليها أن تدفع تكاليف بناء المنازل الحديثة التي بنيت بالفعل على يد فيالق البناء الريفي. ومثل هذا الإجراء الذي يحقق مصالح الشعب لا يمكن أن يتم إلا بواسطة حزب ودولة الطبقة العاملة اللذين يخدمان دوماً الشعب كله، وعن طريق الإسراع بعملية البناء سنغير تماماً مظهر وشكل الريف في المستقبل القريب. إن النضال من أجل بناء ريف اشتراكي هو نضال لتحويل ريفنا الذي كان متخلفا وفقيرا في الماضي إلى ريف اشتراكي يتمتع بالرخاء والثقافة ومسلح بالتكنولوجيا الحديثة» (كيم إل سونغ: قضايا حول المسألة الريفية الاشتراكية في بلدنا). 

أترك تعليقاً

التعليقات