اليسار الاجتماعي
- أنس القاضي الأثنين , 2 مـارس , 2026 الساعة 1:57:49 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
لا تقتصر وظيفة اليسار على السعي المباشر إلى الوصول إلى السلطة من أجل إحداث قطيعة فورية مع الواقع القائم أو الشروع في بناء نظام اجتماعي جديد دفعةً واحدة، بل تتحدد، في معناها الأعمق، بوصفه قوة تاريخية تعمل داخل المجتمع وعلى امتداد الزمن لتعميق العدالة الاجتماعية وتوسيع حضورها في الحياة العامة؛ فالمسألة لا تتعلق بلحظة استيلاء على الحكم بقدر ما تتعلق بدورٍ متواصل في إعادة توجيه مسار المجتمع نحو قدرٍ أكبر من التوازن والإنصاف، وفي مرافقة تحولاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والعمل على أن تسير هذه التحولات في اتجاهٍ يوسع الحقوق ويحد من التفاوت ويعزز الكرامة الإنسانية.
إن اليسار، بهذا المعنى، لا يعرف نفسه فقط من خلال موقعه في السلطة أو خارجها، بل من خلال حضوره الدائم في المجتمع، ومن خلال قدرته على التعبير عن مصالح الفئات المنتجة، وعلى تحويل مطالبها إلى قضايا عامة، وعلى إبقاء فكرة العدالة حية في المجال السياسي والثقافي؛ فهو ليس قوة تنشط في لحظة الصراع الكبرى فحسب، بل تيار ممتد داخل الحياة اليومية، يعمل عبر الزمن على إعادة تشكيل الوعي والعلاقات والمؤسسات، ويدفع نحو تحسين شروط العيش حتى في أكثر الفترات هدوءاً واستقراراً.
وفي هذا السياق، يتغير دور اليسار تبعاً لموقعه داخل الحياة السياسية، فعندما يكون في موقع السلطة، لا يتمثل دوره في فرض تحولات جذرية منفصلة عن الواقع أو القفز فوق الشروط القائمة، بل في الدفع التدريجي نحو تعميق العدالة داخل البنية القائمة، من خلال توسيع الخدمات العامة، وتحسين شروط العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوجيه السياسات الاقتصادية بما يحد من التفاوت ويقوي حضور المصلحة العامة. إن وجوده في السلطة، في هذه الحالة، يصبح وسيلة لإحداث تراكم مستمر في اتجاه التوازن الاجتماعي، لا أداة لفرض نموذج جاهز أو لإعادة تشكيل المجتمع بقرارات مفاجئة لا تستند إلى قاعدة اجتماعية ناضجة.
أما عندما يكون خارج السلطة، فإن وظيفته لا تنتهي، بل تتخذ شكلاً آخر لا يقل أهمية. ففي موقع المعارضة، يضطلع اليسار بدور حماية المكتسبات الاجتماعية التي تحققت، والدفاع عنها في مواجهة أي تراجع أو تقليص، وممارسة الضغط السياسي والاجتماعي من أجل توسيعها. كما يصبح وجوده وسيلة للحفاظ على حضور العدالة في النقاش العام، ومنع انزلاق السياسات العامة نحو تغليب المصالح الضيقة أو تكريس الامتيازات، والعمل على إبقاء قضايا الفئات الأضعف حاضرة في الوعي العام حتى في الفترات التي تتراجع فيها إمكانيات التغيير الواسع.
ويمتد دور اليسار إلى ما هو أبعد من المجال السياسي المباشر، إذ يرتبط أيضاً بدعم التنظيمات الاجتماعية التي تمثل مصالح المنتجين في مختلف مواقعهم، من نقابات وروابط مهنية وتعاونيات ومجالس محلية، والعمل على تقويتها وتوسيع حضورها. فهذه الأطر ليست مجرد أدوات مطلبية، بل هي المجال الذي يتعلم فيه المجتمع تنظيم نفسه والدفاع عن مصالحه بصورة جماعية، وهي التي تمنحه القدرة على التأثير في شروط حياته الاقتصادية والاجتماعية. وكلما كانت هذه التنظيمات أكثر حضوراً وقوة، أصبح المجتمع أكثر قدرة على التوازن في مواجهة مراكز القوة الاقتصادية والاحتكارية، وأكثر قدرة على فرض مطالبه بصورة منظمة ومستدامة.
كما يضطلع اليسار بدور أساسي في تطوير الوعي الاجتماعي، من خلال الإسهام في النقاش الفكري والثقافي، وطرح الأسئلة المرتبطة بالعدالة والتفاوت والتنمية ودور الدولة، والعمل على توسيع الفهم العام لهذه القضايا، فالتغيير لا يتحقق فقط عبر السياسات، بل عبر تشكل وعي اجتماعي يدرك حقوقه ويطالب بها، ويفهم موقعه داخل عملية الإنتاج والعلاقات الاقتصادية، ويعيد النظر في المسلمات التي تكرس التفاوت أو تبرر الامتياز. ومن خلال هذا الحضور الفكري والثقافي، يسهم اليسار في إعادة صياغة الحس العام، وفي جعل العدالة جزءاً من الوعي المشترك لا مجرد مطلبٍ فئوي.
بهذا المعنى، لا يقتصر دور اليسار على كونه قوة سياسية تسعى إلى الحكم، بل يتجاوز ذلك ليكون حاضراً في المجتمع بوصفه قوة أخلاقية وفكرية وتنظيمية في آنٍ واحد. ففي الفترات التي يسود فيها الاستقرار، يتجلى حضوره في الدفاع عن العدالة وتوسيعها عبر الإصلاح والتراكم، وفي ترسيخ قيم التضامن والتكافل والمصلحة العامة. وفي اللحظات التي تنفتح فيها إمكانيات التغيير الأوسع، يكون قادراً على التقاط هذه اللحظة والدفع بها إلى الأمام، انطلاقاً من قاعدة اجتماعية واعية وتنظيمات قوية وتجربة تراكمت عبر الزمن.
إن وظيفته، في جوهرها، ليست فرض مسار محدد على المجتمع من الخارج، ولا ادعاء امتلاك الحقيقة التاريخية، بل مرافقة تحوله، والعمل على أن يتجه هذا التحول نحو مزيد من العدالة والتوازن. وهو يفعل ذلك سواء من موقع السلطة أو من خارجها، وسواء عبر السياسات العامة أو عبر العمل الاجتماعي والفكري طويل النفس. وبهذا يتحول اليسار من مجرد قوة سياسية تنافس على الحكم، إلى تيار اجتماعي عميق يسهم في تشكيل اتجاه المجتمع نفسه، ويعمل باستمرار على أن يكون التقدم الاجتماعي أقرب إلى العدالة، وأقل خضوعاً للهيمنة والاحتكار والتفاوت.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي