أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
كمارد فانوس جبار يلبي كل رغبة، هو الذكاء الاصطناعي، ولكن في عصر الحقائق لا الخرافات، لا تطمره الرمال في انتظار الرجل المحظوظ الذي يُحرره من القمقم، بل يُصنع في المختبر العلمي، ومن طاله أمسك بعرى المستقبل!
لا يقتصر أثر الثورات التكنولوجية تغير أساليب الإنتاج فقط، فهي تعيد رسم خريطة القوة داخل الاقتصاد العالمي؛ سابقاً خلقت الثورة الصناعية الفارق بين الدول التي امتلكت الإنتاج المتطور والدول التي تحولت إلى أسواق ومصادر للمواد الخام، ثم جاءت الثورة الرقمية لتمنح الدول المتقدمة أدوات جديدة للسيطرة على المعرفة والاتصالات والتمويل، واليوم يدخل العالم مرحلة أخرى مع الذكاء الاصطناعي، وهي مرحلة تعيد إنتاج الاستقطاب القائم في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، تعيد إنتاج الانقسام بين الشمال المتقدم المهيمن والجنوب المتخلف التابع بصورة أكثر عمقاً، بما يوسع من حجم الهوة بين دول المركز الشمال العالمي وبين دول الأطراف بلدان الجنوب العالمي.
فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من وسائل الإنتاج نفسها أي أننا لا نتحدث عن قطاع اقتصادي جديد بل عن مستوى إنتاجية أعلى توظف المعرفة العلمية العميقة؛ فالمصنع، والمصرف، والمستشفى، والجامعة، وشركة النقل، والمؤسسة العسكرية، والإدارة الحكومية، تتجه جميعها إلى الاعتماد على الخوارزميات والبيانات والنماذج الذكية في إدارة أعمالها ورفع إنتاجيتها، ما يعني أن السيطرة على الذكاء الاصطناعي تتعدى مجرد امتلاك تكنولوجيا متقدمة، إلى امتلاك قدرة أكبر على إنتاج الثروة، وزيادة إنتاجية العمل، وتعزيز تراكم رأس المال.
ولهذا فإن الاستثمارات الضخمة التي تضخها الولايات المتحدة والصين والدول الصناعية في هذا المجال ليست سباقاً علمياً مجرداً، بل هي جزء من صراع على قيادة المرحلة المقبلة من الاقتصاد العالمي؛ فمن يسيطر على الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والنماذج الذكية، والبنية الحاسوبية، يحتكر إلى جانب المعرفة جانباً متزايداً من أدوات الإنتاج التي سيعتمد عليها الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، هذه هي الطبيعة الاستراتيجية التي تحرك تطوير الذكاء الاصطناعي وعلى المستوى التكتيكي الآني هناك نزوع من النخب المالية الغربية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً اقتصادياً واعداً في ظل ركود بقية القطاعات، وهذا البُعد الاقتصادي المباشر لا يتناقض مع البُعد الاستراتيجي في ضخ الاستثمارات لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعية، التي لا يصل لنا منها نحن سكان الجنوب العالمي سوى تطبيقات الدردشة وتحرير الصور!
ومن هنا فإن الذكاء الاصطناعي يهدد بتغيير ترتيب القوى الكبرى على الصعيد العالمي وبإعادة تشكيل التقسيم الدولي للعمل؛ فخلال القرنين الماضيين انقسم العالم بين دول تنتج التكنولوجيا ودول تستوردها، وبين اقتصادات تصنع السلع ذات القيمة المرتفعة وأخرى تقتصر وظيفتها على تصدير المواد الأولية أو توفير اليد العاملة الرخيصة، أما اليوم فيتجه العالم إلى انقسام جديد، بين دول تنتج النماذج الذكية والبنية الرقمية والرقائق الإلكترونية، ودول تستهلك هذه التقنيات وتدفع مقابل استخدامها، بينما تنتقل القيمة المضافة والأرباح والمعرفة إلى المراكز التي تحتكر تطويرها.
وبذلك لا تقتصر المنافسة على بيع البرامج أو التطبيقات، وإنما تمتد إلى السيطرة على البنية التي سيعمل من خلالها الاقتصاد العالمي؛ فكل مصنع يستخدم نموذجاً أجنبياً، وكل جامعة تعتمد على منصات خارجية، وكل مؤسسة حكومية تبني أعمالها على بنية حاسوبية لا تملكها، تصبح جزءاً من منظومة اقتصادية تتولد فيها القيمة خارج حدودها الوطنية، تنتقل البيانات والمعرفة والعوائد الاقتصادية بين الدول كما كانت سابقاً تنتقل السلع والقروض، بما يعزز تراكم رأس المال في الدول التي تمتلك التكنولوجيا ويحد من قدرة غيرها على بناء تراكم ذاتي مستقل.
وفي هذا السياق، فإن المنافسة الأمريكية الصينية تعد تعبيراً عن انتقال الصراع إلى مستوى جديد داخل منطق النظام الرأسمالي العالمي؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها بوصفها المركز الرئيسي للتكنولوجيا المتقدمة، بينما تعمل الصين على انتزاع موقع متقدم داخل هذا المركز، عبر بناء قدراتها في الرقائق، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وتحويل هذه التقنيات إلى مصدر جديد لنفوذها الاقتصادي الدولي، وإذا نجحت بكين في ذلك فإنها ستصبح بدورها مورداً رئيسياً للتكنولوجيا التي ستعتمد عليها دول كثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يمنحها أدوات تأثير ونفوذ اقتصادي وسياسي كبير، حتى وإن اختلفت تجربتها التاريخية عن التجربة الاستعمارية الغربية المتوحشة، فإنها ستكون قطباً مهيمناً.
أما دول الجنوب العالمي ومنها العالمي العربي وإفريقيا، فإن الخطر الذي يواجهها لا يتمثل في تأخرها عن سباق الابتكار فحسب، بل في احتمال تثبيت موقعها داخل تقسيم دولي جديد للعمل يجعلها مستهلكة دائمة للتكنولوجيا التي ينتجها الآخرون ومنها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؛ فكلما اتسعت الفجوة في البحث العلمي، والحوسبة، والرقائق الإلكترونية، والبنية الرقمية، تقلصت قدرة هذه الدول على إنتاج المعرفة، وازدادت تبعيتها للاقتصادات الأكثر تقدماً، وعندئذ تصبح التكنولوجيا، كما كانت الصناعة من قبل، وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت العالمي، وإعادة إنتاج أشكال تبعية واستعمارية جديدة، لا مجرد أداة للتنمية.
إن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي توسيع الهوة بين الشمال والجنوب أكثر من أي مرحلة سابقة فالتقدم الصناعي والتكنولوجي سابقاً الذي كان يوسع الهوة كانت وتيرته أقل جموحاً من الذكاء الاصطناعي، فاحتكار وسائل الإنتاج لم يعد يقتصر على المصنع أو رأس المال المالي، بل امتد إلى احتكار المعرفة الرقمية ذاتها؛ وكلما ازدادت أهمية هذه المعرفة في الاقتصاد والإدارة  والعسكرة والتعليم، أصبح موقع الدول داخل النظام العالمي يتحدد بقدرتها على إنتاجها لا باستهلاكها، ولهذا فإن قضية الذكاء الاصطناعي وإن بدت قضية تقنية في جوهرها، إلا أنها قضية تتعلق بمستقبل توزيع القوة والثروة داخل العالم، وبما إذا كان النظام الدولي المتحول يتجه إلى تقليص الفجوة التاريخية بين الأمم في ظل التعددية القطبية الناشئة، أم إلى إعادة إنتاجها في صورة رقمية أعمق أثراً.

أترك تعليقاً

التعليقات