اليمن في استراتيجية «مكافحة الإرهاب» الأمريكية الجديدة 2026
- أنس القاضي الجمعة , 26 يـونـيـو , 2026 الساعة 8:17:04 PM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
تنبئ استراتيجية "مكافحة الإرهاب" الأمريكية لعام 2026م الصادرة في مايو الماضي، عن التحول الذي شهدته السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة من نموذج "الحرب العالمية على الإرهاب" إلى مقاربة أكثر ارتباطاً بمفهوم "أمريكا أولاً"، وتنطلق الوثيقة من اعتبار أن الوظيفة الأساسية للأمن القومي الأمريكي هي حماية الأراضي الأمريكية والمصالح الحيوية المباشرة للولايات المتحدة، بحيث يصبح "الإرهاب" إطاراً يشمل مختلف التهديدات التي يمكن أن تمس هذه المصالح داخل الولايات المتحدة أو خارجها، بما في ذلك النشاط اليساري داخل الولايات المتحدة وصف "اليسار المتطرف" بوصفه "إرهابياً".
ويرتبط هذا التحول بتغير أوسع في فهم دور القوة الأمريكية؛ إذ تميل الاستراتيجية إلى استخدام القوة بصورة أكثر انتقائية، عبر العمليات العدوانية الدقيقة، والعمل الاستخباراتي، والحرب السيبرانية، وتجفيف مصادر التمويل (العقوبات والحروب الاقتصادية)، والاستفادة من الشركاء المحليين والإقليميين في التدخل وفق مبدأ تقاسم الأعباء وتحميل الحلفاء مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات داخل أقاليمهم، وهذا المنظور يتناسب مع الوضع الاقتصادي الجديد للولايات المتحدة الأمريكية المأزومة اقتصادياً والتي تعاني من عجز حاد في الموازنة العامة، ودخلت في خلافات مع بنك الاحتياط الفيدرالي - وهو قطاع خاص - حول سقف الديون، وبتعبير آخر لم تعد الحكومة الأمريكية تملك الاقتدار الاقتصادي الذي كان يمنحها حرية الحركة والعدوان والتدخلات واسعة النطاق.
ومن هذه الزاوية تمثل الاستراتيجية محاولة لمواءمة أدوات "مكافحة الإرهاب" مع أولويات الأمن القومي الأمريكي الجديدة؛ فالهدف لم يعد خوض حروب مفتوحة طويلة الأمد، بل منع ظهور تهديدات قادرة على الإضرار بالمجتمع الأمريكي أو تهديد الممرات الاستراتيجية والمصالح الحيوية للولايات المتحدة، ولهذا تركز الوثيقة على أمن الحدود الأمريكية، ومكافحة الكارتلات الإجرامية في نصف الكرة الغربي (وهو تعبير فضفاض يُستخدم لمكافحة المخدرات ويوظف سياسياً عن الحاجة للاعتداء على السيادات الوطنية كما جرى مع فنزويلا ورئيسها الأسير مادورو مطلع هذا العام)، وإضعاف إيران ومحور المقاومة، ومنع التنظيمات المسلحة في أفريقيا وآسيا من امتلاك قدرات تستهدف المصالح الأمريكية، وبهذا المعنى يغدو الإرهاب جزءاً من رؤية أشمل تتعلق بحماية الموقع العالمي للولايات المتحدة في بيئة دولية أكثر تنافساً وتعقيداً.
البحر الأحمر في التفكير الاستراتيجي الأمريكي الجديد
احتل البحر الأحمر موقعاً مهماً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية لعقود طويلة، إلا أن أهميته تصاعدت بصورة ملحوظة بعد التطورات التي أعقبت عملية "طوفان الأقصى" وحرب الإبادة في غزة، فبعدما ارتبط الاهتمام الأمريكي سابقاً بأمن الملاحة وتدفقات الطاقة، أظهرت الأحداث الأخيرة قدرة هذا الممر البحري على التأثير المباشر في التجارة العالمية والاقتصاد الدولي، وهو ما تجسد بوضوح في العمليات اليمنية التي شهدها البحر الأحمر بين عامي 2023م و2025م.
ولهذا يظهر البحر الأحمر في استراتيجية "مكافحة الإرهاب" لعام 2026م بوصفه مساحة تتقاطع فيها اعتبارات أمن الملاحة (وأمن الملاحة هنا لا يعني أمن دول العالم في تسيير سفنها التجارية إنما يقصد أن يكون هناك نفوذ أمريكي في هذه المياه)، وأمن الكيان الصهيوني، وحرية حركة القوات الأمريكية، واستقرار التجارة الدولية، ومن المنظور الأمريكي فإن أي تهديد للممرات البحرية في هذه المنطقة يصبح قضية مرتبطة بالأمن القومي الأمريكي.
وتزداد أهمية هذا التصور في ظل رؤية أمريكية تعتبر البحر الأحمر والخليج العربي والقرن الأفريقي فضاءً استراتيجياً مترابطاً يمتد من مضيق هرمز إلى قناة السويس وسواحل شرق أفريقيا. ومن هنا تتكرر الإشارات في الوثائق الأمريكية إلى الترابط بين أمن هذه المناطق، وإلى المخاوف من تنامي الروابط بين الفاعلين المسلحين في القرن الأفريقي والقوات المسلحة اليمنية، ولا سيما ما يتعلق بحركة الشباب الصومالية، والخطاب العدواني الأمريكي الذي ربط القوات المسلحة اليمنية وهذه الفواعل العسكرية في القرن الإفريقي يملأ المواقع الغربية ويتسلل للتقارير الدولية.
كما يرتبط الاهتمام الأمريكي المتزايد بالبحر الأحمر بالمنافسة الدولية على النفوذ؛ فالصين عززت حضورها الاقتصادي والعسكري في القرن الأفريقي، وسعت روسيا خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع حضورها البحري في بعض المناطق المطلة على البحر الأحمر، في حين تنظر قوى إقليمية ودولية متعددة مثل تركيا والسعودية والإمارات وإيران وبريطانيا وفرنسا إلى هذا الممر بوصفه ساحة لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري، فالاستراتيجية الأمريكية بتركيزها على هذه المنطقة تضع نفسها في حالة منافسة على النفوذ مع أصدقائها وخصومها في آن.
ومن هذا المنظور يحتل البحر الأحمر موقعاً بارزاً في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة باعتباره إحدى الساحات التي تختبر فيها واشنطن قدرتها على حماية النظام الإقليمي الذي تستند إليه مصالحها، كما يعكس إدراج التهديدات البحرية ضمن إطار "مكافحة الإرهاب" توجهاً نحو دمج الأمن البحري والأمن الإقليمي و"مكافحة الإرهاب" في رؤية استراتيجية واحدة، وهو ما يمنح اليمن أهمية خاصة بحكم موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في باب المندب ومعادلة الأمن في البحر الأحمر.
اليمن في استراتيجية "مكافحة الإرهاب"
يحضر اليمن في استراتيجية "مكافحة الإرهاب" الأمريكية من خلال مستويين مترابطين؛ الأول يتعلق بالتنظيمات المسلحة التقليدية؛ وعلى رأسها "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب". والثاني يرتبط بالدور الذي بات يؤديه اليمن في معادلة الأمن البحري والصراع الإقليمي في البحر الأحمر، ويعكس الجمع بين هذين المستويين تحولاً مهماً في النظرة الأمريكية إلى اليمن، إذ لم يعد يُنظر إليه بوصفه ساحة لـ"مكافحة الإرهاب" فحسب، بل باعتباره جزءاً من فضاء استراتيجي أوسع يتصل بالممرات البحرية والصراع مع إيران وأمن الكيان الصهيوني.
فعلى المستوى التقليدي ما تزال الوثيقة تعتبر "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" أحد أخطر فروع "تنظيم القاعدة" وأكثرها قدرة على استهداف المصالح الأمريكية، وقد شكل هذا الملف طوال العقدين الماضيين الأساس الذي استندت إليه واشنطن في بناء شراكاتها الأمنية داخل اليمن وتوسيع برامج الطائرات المسيّرة والعمليات الخاصة، غير أن مكانة هذا الملف تراجعت نسبياً مقارنة بما كانت عليه في الاستراتيجيات السابقة، في ظل صعود أولويات أخرى تتعلق بالبحر الأحمر والتنافس الإقليمي.
أما التطور الأبرز فيتمثل في انتقال مركز الثقل داخل المقاربة الأمريكية من مكافحة التنظيمات الجهادية إلى التعامل مع التداعيات الأمنية والاستراتيجية للعمليات اليمنية في البحر الأحمر، فالوثيقة تربط بصورة مباشرة بين أنصار الله وأمن الملاحة الدولية والنفوذ الإيراني، وتؤكد استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية مجدداً إذا تعرضت السفن الأمريكية للخطر، وبهذا المعنى يتحول اليمن من ملف أمني مرتبط بملاحقة تنظيمات مسلحة إلى عقدة جيوسياسية تتداخل فيها اعتبارات الردع البحري والصراع الإقليمي وحماية المصالح الأمريكية.
كما تكشف الاستراتيجية عن توجه متزايد نحو دمج اليمن ضمن إطار أمني إقليمي يشمل البحر الأحمر والقرن الأفريقي والخليج العربي؛ فقد ركزت الوثيقة على المخاطر المرتبطة بالتنظيمات المسلحة في الصومال وشرق أفريقيا، وعلى ضرورة منع تشكل بيئات أو قواعد عمليات يمكن أن تهدد المصالح الأمريكية في هذه المنطقة، ويعكس ذلك اتجاهاً داخل دوائر التفكير الأمريكية نحو التعامل مع هذا الامتداد الجغرافي بوصفه مسرحاً أمنياً مترابطاً تتداخل فيه التهديدات البحرية والعسكرية والسياسية.
اليمن بين "مكافحة الإرهاب" والصراع الإقليمي
يثير إدراج اليمن ضمن استراتيجية "مكافحة الإرهاب" سؤالاً يتعلق بطبيعة الأهداف الأمريكية الحقيقية في المنطقة؛ فمضامين الوثيقة تشير إلى أن مكافحة الإرهاب بالمفهوم التقليدي لم تعد المحرك الوحيد للسياسة الأمريكية تجاه اليمن؛ فالتهديدات التي تحظى بالاهتمام الأكبر ترتبط بأمن الملاحة في البحر الأحمر، والصراع مع إيران، وأمن الكيان الصهيوني، وهي قضايا تتجاوز نطاق مكافحة "تنظيم القاعدة" أو غيره من التنظيمات المسلحة.
كما أن الأدوات التي تقترحها الاستراتيجية للتعامل مع هذه التحديات لا تقتصر على الوسائل الأمنية والاستخباراتية، وإنما تشمل الردع العسكري والعقوبات والضغوط الاقتصادية والتحالفات الإقليمية، ويعكس ذلك اتساع مفهوم "مكافحة الإرهاب" داخل التفكير الأمريكي ليصبح إطاراً سياسياً وأمنياً يضم طيفاً واسعاً من التحديات التي تمس المصالح الأمريكية.
ويكتسب اليمن أهمية خاصة في هذا السياق بحكم موقعه على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وارتباطه الجغرافي بالخليج العربي والقرن الأفريقي، فضلاً عن حضوره داخل التوازنات الإقليمية المرتبطة بإيران وحلفائها؛ ولهذا تبدو السياسة الأمريكية تجاه اليمن أقرب إلى إدارة ملف استراتيجي متعدد الأبعاد يتداخل فيه الأمن البحري والتنافس الإقليمي وحماية النفوذ الأمريكي، أكثر من كونها سياسة مخصصة لـ"مكافحة الإرهاب" بالمعنى الضيق للكلمة، المعنى القديم الذي لم يكن هناك توافقاً حوله في وضعه السابق الضيق، فكيف اليوم في استراتيجية 2026م وقد أصبح كل ما يهدد أمريكا ويتناقض مع مصالحها ومشاريعها العدوانية يُسمى "إرهاباً".
ومن هنا يمكن فهم التركيز المتكرر في الوثيقة على البحر الأحمر وباب المندب، والربط المستمر بين اليمن وإيران وأمن الملاحة الدولية ضمن سياق استراتيجي واحد؛ فاليمن لم يعد يُنظر إليه بوصفه ساحة هامشية، بل باعتباره إحدى النقاط المؤثرة في معادلة الأمن الإقليمي، وما يترتب عليها من مصالح أمريكية مباشرة في المنطقة.
الخاتمة
تكشف استراتيجية "مكافحة الإرهاب" الأمريكية لعام 2026م عن مرحلة جديدة في تطور التفكير الاستراتيجي للإمبريالية الأمريكية، حيث لم تعد "مكافحة الإرهاب" تُطرح باعتبارها حرباً عالمية مستقلة كما كان الحال بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل أصبحت حرباً أمريكية خاصة جزءاً من منظومة أوسع للأمن القومي الأمريكي تتداخل فيها قضايا الحدود والممرات البحرية والمنافسة الدولية والصراعات الإقليمية، وفي هذا السياق أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها وأدواتها بما ينسجم مع توجه يقوم على حماية المصالح الحيوية الأمريكية عبر استخدام انتقائي للقوة والموارد بما ينسجم مع الوضع الاقتصادي القائم.
وتظهر أهمية اليمن داخل هذه الرؤية من موقعه في معادلة البحر الأحمر وباب المندب، ومن قدرته على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ولهذا لم يعد حضوره في الاستراتيجية مرتبطاً حصراً بملف تنظيم القاعدة، بل بات جزءاً من تصور أوسع يربط بين الأمن البحري والتوازنات الإقليمية والصراع مع إيران وأمن الكيان الصهيوني، فالتصور الجديد يستهدف القوات المسلحة اليمنية أكثر مما يستهدف "تنظيم القاعدة".
كما تعكس الوثيقة توجهاً أمريكياً نحو التعامل مع البحر الأحمر والخليج العربي والقرن الأفريقي بوصفها فضاءً استراتيجياً مترابطاً، الأمر الذي يمنح اليمن وزناً أكبر في الحسابات الأمنية الأمريكية ويجعل أي تحول في موازين القوى داخله اليمن محل اهتمام مباشر من واشنطن.
وفي ضوء هذه الاتجاهات، يرجح أن تواصل الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة الاعتماد على مزيج من الردع البحري، والشراكات الإقليمية، والعمليات المحدودة، والعقوبات الاقتصادية، مع تجنب الانخراط في حروب واسعة أو مشاريع طويلة الأمد على غرار ما شهدته العقود السابقة؛ غير أن فاعلية هذه المقاربة ستظل مرتبطة بقدرة واشنطن على الحفاظ على نفوذها في منطقة تشهد تغيرات متسارعة، وبمدى نجاحها في احتواء التحديات التي فرضتها التحولات الجارية في البحر الأحمر وتوازنات "الشرق الأوسط" عموماً.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي