أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
يأتي العدوان الأمريكي الأخير ضد فنزويلا بوصفه لحظة مكثّفة في مسار الصراع القائم من طرف واحد هي الولايات المتحدة، إذ يكشف، من خلال طبيعته وحدّته، عن تحوّلات أعمق في كيفية ممارسة القوة الإمبريالية وفي بنية النظام الدولي الراهن. فالعدوان، بما انطوى عليه من خرق مباشر للسيادة، لا يمكن عزله عن سياقه الأوسع، سواء على مستوى التحولات الجارية في النظام العالمي، أو في علاقته بالأزمة الفنزويلية الداخلية الممتدة منذ أكثر من عقد.
هذا التطور كحلقة متقدمة في مسار تصعيدي تراكمي، تسارعت وتيرته في المرحلة الأخيرة؛ يسلّط الضوء على حدود القدرة الأمريكية على تحويل العدوان والتفوق العسكري والاقتصادي إلى ترتيب سياسي مستقر في نظام جديد موال، وعلى هشاشة القواعد التي يقوم عليها النظام الدولي القائم الذي يتيح للولايات المتحدة العدوان على أي دولة ونهب ثرواتها وإسقاط نظامها ما دامت قادرة على ذلك، كما يفتح المجال لفهم مصادر الصمود والضعف داخل الدولة الفنزويلية نفسها.
ومن هنا، فإن القراءات التي تنزع إلى الحسم المباشر -سواء بافتراض انهيار وشيك للدولة أو تثبيت نهائي للنظام- تظل قراءات أحادية، لأنها تتجاهل طبيعة اللحظة الانتقالية الراهنة، حيث تتقاطع الصدمة الخارجية مع بنى داخلية لم تُحسم بعد، ومع نظام دولي يتآكل دون أن يُنتج بديلاً مستقراً.

السيادة الوطنية وتآكل النظام العالمي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل النظام الدولي حول مفهوم سيادة مشروط، تُحترم فيه حدود الدول بقدر ما تنسجم خياراتها السياسية والاقتصادية مع مصالح القوى المهيمنة. ومع انتهاء الحرب الباردة، توسّع هذا النمط ليشمل أدوات أكثر تنوّعاً: العقوبات، المحاكم، العزل المالي، والحروب بالوكالة، تحت لافتة «النظام القائم على القواعد».
غير أنّ ما يتكشف اليوم هو أن هذا النظام لم يعد قادراً على أداء وظيفته الأساسية: إدارة الصراع وضبطه؛ فاللجوء المتكرر إلى القوة المباشرة، أو إلى التهديد بها، يعكس فشل الأدوات السابقة في تحقيق الأهداف المرجوة، لا سيما في حالات دول ترفض إعادة إنتاج التبعية التقليدية.
العدوان على فنزويلا، وما رافقه من محاولات تبرير قانونية وإعلامية ضعيفة، يقدّم مثالاً صارخاً على هذا التآكل؛ فالقوة استُخدمت من دون تفويض أممي، وبمعزل عن إجماع دولي، وفي مواجهة اعتراضات صريحة أو ضمنية من قوى دولية وازنة. هذا لا يعني أن النظام الدولي انهار، بل يعني أنه بات أقل قدرة على حماية الدول المستقلة والشعوب، وتذهب الولايات المتحدة فيه إلى العدوان، بدون أي ترتيبات شكلية لتفويض دولي أو تحالفات دولية واسعة وغيرها من الأساليب القديمة المستخدمة، بل إن ترامب يصرح علناً أن بلاده ستحكم فنزويلا مؤقتاً وأن شركات النفط الأمريكية ستعود للعمل في فنزويلاً، ولم تكن الولايات المتحدة بهذه الوقاحة والوضوح الإمبريالي في الحديث عن أطماعها المباشرة من خلف العدوان.

الدولة الفنزويلية وحدود التفكيك من الخارج
حتى الآن، وفي المدى المنظور، تُظهر الوقائع أن الدولة الفنزويلية لم تُختزل في رأس السلطة التنفيذية، ولم تُصَمَّم بنيتها المؤسسية بوصفها ملحقة بشخص أو بعائلة سياسية؛ فالمؤسسات العسكرية والأمنية، وأجهزة القضاء، والإدارة العامة، وشبكات توزيع الموارد الأساسية، هي نتاج مسار تاريخي طويل من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، خاصة منذ صعود المشروع البوليفاري.
هذا لا يعني أن هذه البنية متماسكة على نحو مطلق، ولا أنها محصّنة ضد التفكك. لكنها، حتى اللحظة، تُظهر قدرة نسبية على امتصاص الصدمات، مستفيدة من عاملين أساسيين:
الأول: إدراك واسع داخل مؤسسات الدولة لكلفة الانهيار في ظل العدوان الأمريكي المستمر.
والثاني: غياب بديل داخلي جاهز يمتلك القدرة المؤسسية على الحلول محلّها فوراً.
غير أن هذا التماسك يظل مشروطاً ببقاء الواقع الداخلي كما هو أو تحسنه؛ فأي تحوّل نوعي -كحدوث انقسام حاد داخل المؤسسة العسكرية، أو انهيار شامل في منظومة الخدمات، أو انتقال الصراع إلى مستوى أهلي واسع- قد يغيّر المعادلة جذرياً، لذا فإن توصيف قدرة الدولة على الصمود يجب أن يُفهم بوصفه توصيفاً مرحلياً، لا حكماً نهائياً، ولازلنا في الأيام الأولى للعدوان المباشر على كراكاس ورئيسها نيكولاس مادورو.

المعارضة والرهان الخارجي
تُظهر التطورات الراهنة أن المعارضة الفنزويلية ما تزال تراهن، بدرجة كبيرة، على العامل الخارجي بوصفه الرافعة الأساسية للتغيير، هذا الرهان تجلّى في الترحيب السياسي والإعلامي الغربي بأي تصعيد ضد الحكومة الفنزويلية، وفي الخطاب الذي يربط التغيير الداخلي بتدخل أو ضغط دولي حاسم.
حتى الآن، وبناءً على الوقائع المتاحة، لم يترجم هذا الرهان إلى قدرة فعلية على إدارة الدولة أو ملء فراغ السلطة. فالمعارضة، رغم حضورها الاجتماعي، تعاني ضعفاً تنظيمياً ومؤسسياً، وتفتقر إلى بنية إدارية وأمنية واقتصادية قادرة على تولي الحكم في ظرف شديد التعقيد.
غير أن هذا التقدير يبقى مفتوحاً على التحوّل؛ ففي حال توفّر دعم خارجي واسع ومباشر، أو في حال حدوث ارتباك داخلي كبير داخل مؤسسات الدولة، قد تتغير موازين القوة لصالح المعارضة. كما أن أي تحوّل في موقف فئات اجتماعية متضررة اقتصادياً قد يمنح المعارضة زخماً جديداً، إذا نجحت في تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مشروع سياسي متماسك.

المؤسسة العسكرية كضامن للاستقرار
يلعب الجيش الفنزويلي، حتى الآن، دوراً محورياً في منع انتقال الصدمة الخارجية إلى انهيار داخلي شامل، انضباط المؤسسة العسكرية، واستمرارها في العمل ضمن إطار الدولة مع نائبة مادورو الرئيسة المؤقتة، يعكسان إدراكاً عميقاً لمخاطر التفكك في ظل بيئة إقليمية معادية.
لكن هذا الدور لا يخلو من تناقضات، فمن جهة، يشكّل الجيش عامل استقرار نسبي، ومن جهة أخرى، يزداد العبء الملقى على عاتقه كلما طال أمد الأزمة الاقتصادية والسياسية. ومع مرور الوقت، قد تتحول الضغوط المعيشية، والعقوبات، ومحاولات الاستهداف الخارجي، والاختراقات الاستخباراتية، إلى عوامل إنهاك داخلي، ما يجعل تماسك المؤسسة العسكرية نفسه غير مضمون.

الاقتصاد السياسي للعدوان
يشكّل النفط جوهر الصراع الفنزويلي، ليس فقط لكونه المورد الأساسي للاقتصاد، بل لأنه يمثّل نقطة التقاء بين الجيوسياسة والاقتصاد العالمي؛ تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة حول «إعادة شركات النفط الأمريكية للعمل في فنزويلا وجني الأرباح» تعكس بوضوح أن الهدف النهائي لأي تغيير سياسي محتمل هو إعادة دمج النفط الفنزويلي في منظومة الهيمنة الغربية.
هذا الطرح ليس جديداً، لكنه أصبح أكثر صراحة في المرحلة الراهنة؛ فالنفط هنا ليس مجرد مورد، بل أداة لإعادة تشكيل علاقات التبعية، وضبط سلوك الدولة الفنزويلية مستقبلاً.
في هذا السياق، برزت في وسائل التواصل الاجتماعي تصريحات منسوبة إلى المعارضة غير الوطنية ماتشادو -التي حصلت مؤخراً على جائزة نوبل للسلام وهي شخصية داعمة للصهيونية- تتحدث عن استعداد لبيع الأصول الفنزويلية أو فتحها بالكامل أمام الشركات الأمريكية في حال تغيّر النظام. ونظراً لعدم التحقق من هذه التصريحات عبر مصادر موثوقة حتى الآن، فنحن نتعامل معها كمؤشر يكشف عن اتجاهات (فكرية -اقتصادية) داخل جزء من المعارضة ترى في الخصخصة الواسعة وإعادة الارتباط بالاقتصاد الأمريكي مدخلاً وحيداً للخروج من الأزمة السياسية الاقتصادية، والعيش في ظل التبعية الاقتصادية وبما يخدم مصالح النخب اليمينية الفنزويلية التي ترتبط مصالحها المباشرة بالهيمنة الاقتصادية الأمريكية على البلد.

فنزويلا في سياق الجنوب العالمي و»بريكس»
تكتسب الأزمة الفنزويلية معناها الأوسع عند وضعها في سياق التحولات داخل الجنوب العالمي. فصعود أطر مثل «بريكس» يعكس رغبة متزايدة لدى دول كالصين وروسيا والهند وجنوب أفريقيا في تقليص الهيمنة الغربية، والدفع نحو نظام دولي أكثر تعددية.
غير أن هذا التحول يظل، حتى الآن، اقتصادياً ومالياً أكثر منه أمنيا؛ فهذه القوى تشجّع دول الجنوب على تنويع شراكاتها والتمرد على الإملاءات الغربية، لكنها لا توفّر، في المقابل، مظلة حماية أمنية حقيقية للدول التي تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
هذه المفارقة تضع دولاً مثل فنزويلا وكذلك اليمن وإيران وغيرها -مع وجود فروقات من دولة لأخرى- تضعها في موقع شديد الحساسية، فهي مدعوة إلى التمرد، لكنها معرّضة للعدوان، من دون ضمانات كافية، وهو ما يجعل حالة فنزويلا اختباراً لمشروع التعددية القطبية الناشئة.

ردود الفعل الدولية وحدود الإجماع
تُظهر ردود الفعل الدولية على التطورات الجارية انقساماً واضحاً؛ فبينما عبّرت دول ومنظمات عن قلقها من خرق السيادة ومخاطر سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، التزمت دول أخرى مواقف رمادية، وانتظرت اتضاح مآلات الصراع قبل اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً.
هذا الانقسام يعكس حقيقة أساسية: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحويل أفعالها إلى إجماع دولي مُلزِم، حتى عندما تتفوق عسكرياً، القوة ما تزال قائمة، لكن شرعنتها باتت أصعب، وكلفتها السياسية أعلى. وقليلة هي الدول الواضحة في إدانة العدوان الأمريكي والمستعدة للوقوف إلى جانب فنزويلا.

فنزويلا.. المدى المنظور
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو السيناريو الأرجح استمرار نمط صراع طويل منخفض الحدّة، حيث تتعايش عناصر متناقضة: ضغط خارجي دون حسم، صمود داخلي دون تعافي، ودعم دولي جزئي دون حماية كاملة.
غير أن هذا السيناريو لا يُغلق الباب أمام تحولات مفاجئة؛ فالأزمة مفتوحة على احتمالات التصعيد، أو التهدئة المؤقتة، أو الانفجار الاجتماعي، وكلها رهينة تطورات داخلية وخارجية يصعب التنبؤ بها بدقة في هذه المرحلة.
ما يجري في فنزويلا اليوم يتجاوز حدودها الوطنية، ليعكس أزمة أعمق في بنية النظام الدولي، السيادة تُنتهك، لكن الهيمنة لا تُستعاد بسهولة، الصمود يتحقق، لكن الاستقرار لا يُنجز، وفي هذا التوتر، تتجسد طبيعة المرحلة الانتقالية الراهنة.
فنزويلا، في هذه اللحظة، ليست نموذجاً مكتمل الملامح، بل سؤالاً مفتوحاً: عن حدود القوة، وحدود الصمود، وحدود التعددية القطبية الناشئة، والإجابة عن هذا السؤال لا تزال قيد التشكل، مع كل تطور جديد في الداخل والخارج.

أترك تعليقاً

التعليقات