العدو الحقيقـي للشعـوب العربيـة
- أنس القاضي الثلاثاء , 7 أبـريـل , 2026 الساعة 12:36:35 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
لا يمكن فهم موقع الصراعات في المنطقة العربية والإقليمية دون تحديد طبيعة التناقضات التي تحكمها، والتمييز بين ما هو تناقض رئيسي وما هو تناقض ثانوي، فاختلاط هذه المستويات يؤدي إلى تشويش في تحديد الأولويات السياسية، وإلى إعادة إنتاج اصطفافات تخدم بنية الهيمنة القائمة بدل تفكيكها.
ضمن هذا الإطار، لا يشكل التناقض مع إيران، أو تركيا، أو غيرها من القوى الإقليمية، التناقض الرئيسي لشعوب ودول المنطقة، حتى وإن وُجدت بينها تعارضات سياسية أو تنافسات جيوسياسية حقيقية؛ فهذه التناقضات، بحكم طبيعتها، تندرج ضمن مستوى الصراعات الثانوية القابلة للإدارة أو الاحتواء أو التسوية، لأنها تجري داخل فضاء جغرافي اقتصادي واحد، وتخضع في النهاية لشروط البنية العالمية ذاتها.
أما التناقض الرئيسي، فيتمثل في العلاقة البنيوية بين دول المنطقة بوصفها أطرافاً في النظام الرأسمالي العالمي، وبين المراكز الغربية المهيمنة التي تتحكم في مسارات التراكم، وتعيد إنتاج تبعية هذه الأطراف عبر أدوات متعددة تشمل الاقتصاد، والمال، والتكنولوجيا، والعسكر، والتحالفات السياسية.
التناقض البنيوي مع المركز الغربي
تتجسد هذه العلاقة في حضور القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، عبر قواعد عسكرية، ونظم أمنية، وشبكات اقتصادية ومالية، إلى جانب الكيان الصهيوني الذي يشكل إحدى أهم أدوات تثبيت هذه الهيمنة في المنطقة، وضمن هذا الإطار، تُفهم التحالفات والحروب بوصفها تعبيرات مختلفة عن هذا التناقض البنيوي المستمر.
إن تاريخ المنطقة منذ القرن التاسع عشر يكشف عن استمرارية هذا النمط من الصراع، بدءاً من الاستعمار الأوروبي المباشر، مروراً بإعادة تشكيل المنطقة عبر اتفاقيات وتقسيمات، وصولاً إلى الهيمنة الأمريكية المعاصرة. وفي كل هذه المراحل، ظل العامل الخارجي حاضراً بوصفه محدداً أساسياً لمسارات الصراع، حتى حين تتخذ هذه الصراعات أشكالاً داخلية أو إقليمية.
ولا يتغير هذا التناقض بتغير طبيعة الأنظمة في المنطقة أو في الدول الإقليمية.؛ فقد كان قائماً حين كانت إيران دولة ملكية حليفة للغرب، واستمر بعد تحولها إلى نظام معادٍ له، مما يشير إلى أن المسألة لا تتعلق بطبيعة النظام بقدر ما تتعلق بموقع الدولة داخل شبكة التبعية أو بمحاولتها الخروج النسبي منها.
«الخطر الإقليمي»
ضمن هذا السياق، تُعاد صياغة الصراعات بطريقة تُخفي التناقض الرئيسي وتُبرز التناقضات الثانوية، فتُقدَّم إيران بوصفها الخطر الأساسي على دول المنطقة، في حين يجري تهميش أو إخفاء طبيعة العلاقة البنيوية بين هذه الدول والمراكز الغربية.
جزء من هذه الصورة يرتبط بسياسات إيران نفسها، خصوصاً دعمها لقوى محددة في المنطقة، أحياناً على أسس (دينية -مذهبية)، ما يفتح المجال لتوترات حقيقية، غير أن تضخيم هذا البعد وتحويله إلى محور الصراع الأساسي لا يمكن فهمه بمعزل عن توظيفه ضمن خطاب (سياسي -إعلامي) أوسع يعيد توجيه الصراع بعيداً عن مركزه البنيوي.
وقد ساهمت عوامل أخرى في تعميق هذا التحول، من بينها الخطاب الطائفي الذي جرى تأجيجه في سياقات سياسية معينة بما يخدم المشروع الإمبريالي «الشرق الأوسط الجديد»، ما أدى إلى نقل مركز الصراع من قضايا الهيمنة والتبعية إلى قضايا الهوية والانقسام المذهبي، وهو ما يخدم عملياً إعادة إنتاج الوضع القائم بدل تغييره.
تجارب الدول الوطنية ومحاولات الاستقلال النسبي
عند النظر إلى تاريخ المنطقة، يمكن ملاحظة أن الدول التي حاولت تبني سياسات أكثر استقلالاً عن المركز الغربي، أو سعت إلى بناء مشاريع وطنية قائمة على قدر من السيادة الاقتصادية والسياسية، واجهت أنماطاً مختلفة من الضغط أو الاحتواء أو التفكيك.
تشمل هذه التجارب نماذج متعددة، مثل مصر في عهد جمال عبدالناصر، الجزائر في عهد هواري بومدين، ليبيا في عهد معمر القذافي، اليمن الديمقراطي في عهد الحزب الاشتراكي، سوريا في مراحل حافظ الأسد، وإثيوبيا في عهد منجستو، وإيران بعد ثورة 1979م.
ورغم اختلاف هذه التجارب في طبيعتها ونجاحاتها وإخفاقاتها، فإنها تشترك في سمة أساسية: محاولة تقليص التبعية وبناء هامش من الاستقلال في مواجهة النظام العالمي. وقد واجهت هذه المحاولات مسارات متعددة: احتواء وتعديل السياسات مع بقاء الدولة، أو تفكيك النظام وإعادة دمجه ضمن بنية التبعية، أو انهيار الدولة ذاتها تحت ضغط داخلي وخارجي متداخل، ولا يمكن فهم هذه المسارات بمعزل عن موقع هذه الدول في شبكة الصراع الدولي، ولا عن دور القوى الإقليمية المتحالفة مع المركز في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة.
التناقضات الإقليمية تناقضات ثانوية
في هذا الإطار، تصبح التناقضات بين دول المنطقة سواء بين إيران ودول الخليج، أو بين تركيا وجيرانها، أو بين دول إفريقيا تناقضات ثانوية من حيث البنية، رغم أنها قد تكون حادة سياسياً أو عسكرياً في لحظات معينة.
وكونها ثانوية لا يعني أنها غير مهمة، بل يعني أنها لا تحدد البنية العامة للنظام، ولا تفسر الاتجاه التاريخي للصراع، بل يمكن، نظرياً وعملياً، إدارتها أو تخفيفها أو حتى تحويلها إلى علاقات تنافس إيجابي أو تعاون، إذا توفرت شروط سياسية واقتصادية مناسبة.
استحالة التعايش المتكافئ مع المركز الإمبريالي
على العكس من ذلك، لا يمكن النظر إلى العلاقة مع المراكز الغربية بوصفها علاقة قابلة للتحول إلى شراكة متكافئة ضمن شروط النظام القائم، فطبيعة الرأسمالية العالمية، في صيغتها الإمبريالية، تقوم على إعادة إنتاج التفاوت بين المركز والأطراف، وعلى الحفاظ على تدفق القيمة من الأطراف نحو المركز.
ومن هنا، فإن التناقض مع هذه المراكز ليس مجرد خلاف سياسي أو تنافس اقتصادي، بل تناقض بنيوي يرتبط بطبيعة النظام نفسه، وبالدور الذي تؤديه الأطراف داخله.
نحو إعادة ترتيب الأولويات
بناءً على ذلك، يصبح من الضـــــروري إعادة ترتيـــــب الأولويات في قراءة الصراعــــات الجاريـــة في المنطقــــة: التمييــــز بين التناقض الرئيسي المرتبط بالبنية العالمية، والتناقضات الثانوية المرتبطة بالصراعات الإقليمية، وعدم تحويل التناقضات الثانوية إلى مركز التحليل، أو إلى أساس لتحديد التحالفات والعداوات، والسعي إلى إدارة الصراعات الإقليمية ضمن أفق التعايش والتنافس، بدلاً من تحويلها إلى صراعات صفرية مفتوحة، في مقابل الحفاظ على وعي نقـــــدي بطبيعة العلاقــــــة مع المراكز المهيمنة، وبالحدود البنيوية لأي علاقة معها داخل النظام القائم.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي