اليمن بعد تصفية «الانتقالي» وهيمنة السعودية على معسكر العدوان
- أنس القاضي الأحد , 11 يـنـاير , 2026 الساعة 12:07:47 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
تشير التطورات المتسارعة في الجنوب اليمني إلى انتقال نوعي في طريقة إدارة الصراع، لا إلى مجرد تبدّل في أدواته، فما جرى مع «المجلس الانتقالي الجنوبي»، من إسقاطه عسكرياً ثم حله سياسياً، لا يمكن فهمه بوصفه حلا لمشكلة توسع «الانتقالي» في حضرموت والمهرة شرق اليمن، بل كجزء من تحول سعودي استراتيجي أنهى عملياً نموذج «الوكيل الجنوبي التابع للإمارات»، هذا التحول يأتي في لحظة إقليمية ضاغطة، تتقاطع فيها ضرورة العودة لمسارات التهدئة مع صنعاء بعد وقف الحرب في غزة، وتراجع جدوى الحرب المفتوحة، ما جعل تعدد الوكلاء عبئاً لا رصيداً.
ضمن هذا السياق، جرى تفكيك «المجلس الانتقالي» عسكرياً ثم تصفيته سياسياً في الرياض، في مسار استباقي يهدف إلى تبسيط المشهد الجنوبي، وإغلاق أي مسار قد يعقّد التفاوض أو يفتح الباب أمام ابتزاز إقليمي متأخر، خصوصاً من أبوظبي.
المسار السياسي
على المستوى السياسي، تعكس لقاءات المبعوث الأممي في الرياض، وتركيزه على الحوار (الجنوبي -الجنوبي) بوصفه أداة خفض توتر ومعالجة مظالم، تبنّياً دولياً للرواية السعودية الجديدة، التي تعيد تعريف القضية الجنوبية كملف سياسي يمني، لا كسلطة أمر واقع أو مشروع قائم بذاته كما كانت عليه طبيعة القضية الجنوبية في السنوات الأخيرة في ظل سلطة «الانتقالي». فلم يعد الجنوب يُنظر إليه كساحة تقرير مصير عبر القوة، بل كقضية تُفكك وتُعاد صياغتها عبر حوار يُحدَّد سقفه ومخرجاته من قبل الراعي السعودي.
يتكامل هذا المسار مع خطاب السفير السعودي محمد آل جابر، الذي حمّل قيادة «المجلس الانتقالي»، وتحديداً عيدروس الزبيدي، مسؤولية «الإساءة للقضية الجنوبية»، وأعلن صراحة الانتقال إلى مرحلة «معالجة ما حدث» من خلال مؤتمر يُعقد في الرياض، لتكون مسألة حل «الانتقالي» أولى هذه «المعالجات» التي وعد بها السفير، وتحول حضور قيادات «الانتقالي» في الرياض إلى شاهد على نهاية دوره الانتقالي، واستخدمت هذه القيادة لإدانة ما قام به عيدروس، والتبرؤ منه، وحل كيان «الانتقالي» بشكل عام، بما يسمح بإعادة فتح القضية الجنوبية دون حامل تنظيمي مستقل.
المسار الميداني
ميدانياً، شكّل دخول ألوية ما تسمى «درع الوطن» إلى عدن، والسيطرة على معسكرات «المجلس الانتقالي» بالشراكة مع «قوات العمالقة» التي غيرت الولاء للسعودية، حالا دون أي انفلات أمني خصوصاً في ظل معطيات عن توزيع «الانتقالي» السلاح الخفيف لأنصار المجلس قبيل اختفاء عيدروس. هذا الانتشار جاء متزامناً مع انهيار القيادة السياسية والعسكرية للمجلس، في سياق الحرص على عجز «الانتقالي» عن إعادة التشكل ميدانياً.
في هذا السياق، يؤدي خطاب رشاد العليمي حول «توحيد القرار العسكري» وظيفة تبريرية قانونية لمسار الضبط، فالمعادلة التي فُرضت تقوم على السيطرة الكاملة على عدن، احتواء «قوات العمالقة» ضمن سقف سعودي، ومنع أي إمكانية لعودة المجلس كفاعل مسلح باسم «المقاومة الجنوبية»، مع إبقاء بعض قياداته السياسية في الرياض تحت الضغط السعودي.
حضرموت
في حضرموت، يتخذ الضبط طابعاً مؤسسياً، فاجتماع قيادة المنطقة العسكرية الثانية المُعيّنة حديثاً مع قوات «درع الوطن»، وخطاب «طي صفحة الماضي» ورفض «تسييس المؤسسة العسكرية»، يشير إلى إعادة اصطفاف قسرية للمؤسسة العسكرية ضمن الترتيب الجديد، هنا لا يجري تحييد الجيش عن السياسة بقدر ما يجري نزع السياسة من المجتمع عبر الجيش، بحيث يُصنَّف أي اعتراض على الترتيب الجديد كتمرّد عسكري، لا موقف سياسي.
الحكومة العميلة
تحاول الحكومة التابعة لما تسمى بـ«الشرعية» استثمار هذا الترتيب الجديد لإعادة تقديم نفسها بوصفها السلطة الوحيدة القادرة على إدارة المناطق التي تقع خارج سلطة صنعاء. تحركات رئيس الحكومة، ولقاءات وزير الداخلية مع السفير الأمريكي، تعبّر عن سعي لاستعادة الدور الدولي بعد فترة من الجمود، وتقديم الحكومة كقناة وحيدة لضبط الأمن و«مكافحة الإرهاب»، هذا المسار لا يعكس استعادة سيادة، بل إعادة تشغيل وظيفة تعطّلت مع انفجار الأوضاع في حضرموت وهروب الحكومة إلى الرياض.
يترافق ذلك مع محاولة إحياء المسار السابق القائم على الإصلاحات الاقتصادية الشكلية، والتطويق الاقتصادي لصنعاء، وسحب السفارات والمنظمات الدولية إلى عدن، هذا المشروع، الذي توقف بفعل انهيار أدوات السيطرة المحلية، يُعاد طرحه اليوم بعد تصفية البدائل الوكيلة، وبضمانات غربية، مع الرهان على أن تصفية «المجلس الانتقالي» سيُسهّل نشاط الحكومة لتتحرر من الضغط السابق، بما في ذلك ضغط مالي كانت الحكومة العميلة تدفع لـ«الانتقالي» مبلغ 10 مليارات ريال شهرياً، ما انهك الموازنة.
الأثر على ميزان القوى اليمني العام
على المستوى اليمني العام، أدّت هذه التحولات إلى تبسيط المشهد الجنوبي من حيث عدد الفاعلين، لكنها لم تُنتج توازناً مستقراً، السعودية باتت المتحكم الميداني والسياسي الأول في الجنوب، لكن تفوقها وظيفي لا سيادي، قائم على الضبط لا على الشرعية، الإمارات تراجعت من فاعل مباشر إلى لاعب تعطيل محتمل، يحتفظ بأدوات إرباك دون قدرة على فرض مشروع بديل في المدى المنظور.
وفي هذه الوقائع تفقد صنعاء هامش المناورة الذي كانت تستفيد منه بفعل تفكك المعسكر المقابل، مع انتقال السعودية إلى إعادة توحيد المرتزقة ميدانياً، وتحويلهم من أدوات صراع داخلي إلى أداة منضبطة يُمكن إعادة توجيها نحو صنعاء، بناءً على خلفيتها السلفية.
الاتجاهات الاستراتيجية المحتملة للسياسة السعودية
الاتجاه الأول: إعادة إحياء المسار السياسي مع صنعاء ضمن خارطة.
طريق مُعدَّلة وظيفياً يميل هذا الاتجاه إلى العودة للمسار السياسي مع صنعاء، ولكن بعد أن يكون موقف السعودية واضحاً وموقفهاً راسخ بعد إزالة التشتت العسكري والسياسي الذي كان سائداً في ظل تواجد الإمارات و«الانتقالي».
في هذا الإطار، تُستخدم إعادة توحيد الفصائل العسكرية ميدانياً وتهدئة مزاج الشارع الجنوبي بضمان حل عادل للقضية الجنوبية، لتقليل المخاطر التنفيذية لأي اتفاق محتمل. لا تهدف هذه المقاربة إلى تسوية شاملة وسريعة، بل إلى إدارة تفاوضية بطيئة تُراكم التزامات مرحلية، وتُبقي أدوات الضغط قائمة، مع تقليص احتمالات الانفجار الأمني.
الاتجاه الثاني: تجميد التسوية والانتقال إلى إدارة طويلة النفس تجمع الضبط مع الضغط غير العسكري
يقوم هذا الاتجاه على تثبيت الواقع الجديد في الجنوب دون استعجال اتفاق مع صنعاء، مع استبدال الحرب المفتوحة بمنظومة ضغط اقتصادي ودبلوماسي منظّم. هنا تُعاد الحكومة الموالية للسعودية إلى الواجهة بوصفها «القناة الشرعية الوحيدة» للتعامل الدولي، ويُعاد تشغيل خطاب «الاستقرار، مكافحة الإرهاب، والإصلاحات الاقتصادية»، مع محاولات لسحب النشاط الدبلوماسي والمنظمات الدولية إلى عدن، في هذا المسار، يتحول الجنوب إلى قاعدة ضغط غير عسكرية، بينما تُترك قنوات التواصل مع صنعاء مفتوحة دون اختراق سياسي حاسم.
الاتجاه الثالث: إعادة تعريف إطار الحل وطرح مقاربة سياسية جديدة بشروط مختلفة
في هذا الاتجاه، لا تكتفي السعودية بتعديل خارطة الطريق أو تجميدها، بل تميل إلى إعادة تعريف مرجعية الحل نفسها. إعادة ترتيب الجنوب تُستخدم كأساس لطرح إطار سياسي جديد يُقدَّم بوصفه «حلاً مُحدَّثاً»، تُعاد فيه صياغة الملفات والأولويات، وتُقدَّم الترتيبات الأمنية كشرط سابق على أي تقدم سياسي، و تُدرج القضية الجنوبية كملف سياسي مُدار من الرياض، لا كمشروع تقرير مصير.
الاتجاه الرابع: استخدام التصعيد المحدود كأداة ضبط وتفاوض لا كمسار حرب
يبقى خيار التصعيد المحدود حاضراً كأداة تكتيكية، تُستخدم عند الحاجة لرفع كلفة الجمود أو تحسين شروط التفاوض، دون الذهاب إلى حرب شاملة. هذا الاتجاه يقوم على ضربات أو تحركات محدودة، ورسائل (سياسية -عسكرية) محددة، مع السعي لإبقائها تحت سقف السيطرة. غير أن هذا المسار يحمل مخاطر نظراً لإمكانية عودة التصعيد في البحر الأحمر والعمق السعودي وامكانية عودة التوتر في الجنوب نفسه، فهذا الاتجاه هو الأضعف بناءً على المؤشرات الراهنة.
تقدير موقف
ما جرى في الجنوب إعادة هندسة قسرية للجغرافيا الواقعة خارج فضاء سلطة صنعاء، عبر نقل المعسكر الموالي للعدوان من حالة فوضى وكلاء متنازعين إلى حالة توحيد ميداني تقوده السعودية مباشرة، إذ جرى شطب «مشروع سياسي -عسكري جنوبي»، ليس لأنه استُنفد اجتماعياً أو تاريخياً، بل لأنه خرج عن السيطرة، وبدأ يهدّد بإنتاج فوضى غير قابلة للتحكّم أو تعطيل تفاوضي في مرحلة تسعى فيها الرياض إلى تبسيط المشهد لا تعقيده، كما بات خطراً على الأمن القومي السعودي ذاته عندما دخل حضرموت والمهرة.
في هذا الإطار، ربحت السعودية قدرة تنظيم وتحكّم مؤقتة في الجنوب، وخسرت الإمارات ورقة مركزية من دون خروجها النهائي من المعادلة، بينما لم يتحسّن الموقع الاستراتيجي لصنعاء بقدر ما خسر البيئة المختلّة التي كانت تتيح لها الاستفادة من تفكك وتنازع معسكر تحالف العدوان والتوازنات بين القوى العسكرية التابعة سابقاً لكل من الإمارات والسعودية.
وعليه تتجه السعودية في المرحلة القادمة إلى تثبيت الواقع الأمني الجديد وتهدئة الشارع والتقرب من المكونات الجنوبية لتصبح هي المعني بالقضية الجنوبية عموماً، مع ترحيل حل القضية إلى الحل الشامل للأزمة اليمنية.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي