أنس القاضي

أنس القاضي / لا ميديا -
شهد جنوب وشرق اليمن خلال الأسبوع الماضي إعادة هندسة شاملة لبنية السيطرة والوصاية لتصبح السعودية المسيطر الأوحد عبر واجهة يمنية منزوعة الاستقلال، يمثلها رشاد العليمي ومجلسه وحكومته، وتظهر السعودية بوصفها الراعي الجديد لـ«القضية الجنوبية» بدلاً عن الإمارات، في مسار من التفكيك والاحتواء الناعم لـ«الانتقالي»، ويأتي تعيين محمود الصبيحي فيما يُسمى بـ«مجلس القيادة»، وتعيين شائع الزنداني رئيساً للحكومةالعميلة لكونه من الضالع، وكذلك فتح نشيد «الانتقالي» وعلم التشطير في الجلسة التمهيدية لما يسمى بـ»الحوار الجنوبي»، كل هذه التحركات المزدوجة لتقوية العليمي وحكومته واحتواء «الانتقالي» هو ما يميز الاتجاه السياسي للسعودية خلال هذه الفترة.

تفكيك المسارات والوقائع
في الأسبوع الماضي جرى تصفية «الانتقالي» وحله سياسياً، ودخلت السعودية في خطوات جديدة، بإقالة البحسني من «مجلس القيادة» بالتوازي، جرى احتواء شخصيات أخرى مثل عبدالرحمن المحرمي، فيما وُضع طارق صالح في موقع الترقب داخل الرياض.
هذا التمييز بين الإقصاء والاحتواء يعكس معياراً جديداً لإدارة المعسكر المعادي، الانضباط للقرار السعودي مقابل البقاء السياسي، التغييرات التي جرت داخل مجلس العليمي، مثل الدفع بمحمود الصبيحي بدلا عن عيدروس الزبيدي، وسالم الخنبشي بدلا عن البحسني، لا تعبّر فقط عن توازنات مناطقية، بل عن استبدال وكلاء ذوي قواعد عسكرية مستقلة بشخصيات ذات رصيد سياسي أو خبرة إدراية، بما يضمن مركزية القرار في يد الرياض وتلميع ما تسمى «الشرعية»، لتتكلل هذه الخطوات بتكليف وزير الخارجية الزنداني (ضالعي) رئيساً للحكومة الجديدة التي سوف يُشكلها، وهكذا تكون السعودية قد غيرت في البُنية السياسية القديمة لما تسمى بـ»الشرعية» ببنية سياسية جديدة خاضعة للرياض بشكل حصري، وتعول عليها في ضبط الداخل واستمالة الخارج.

من «الشراكة» إلى الإخضاع
خطاب رشاد العليمي في 11 يناير عن توحيد القوات العسكرية للمرتزقة في مجلس عسكري أعلى بقيادة سعودية، وما أعقبه من اجتماعات عسكرية في عدن بحضور نائب رئيس هيئة أركان المرتزقة ورئيس الوفد السعودي العسكري الشهراني، كشف بوضوح التحول العسكري نحو تثبيت الهيمنة السعودية على كل القوات العسكرية، ودمجها في كشف واحد لدفع المرتبات لهم وربطهم بالمملكة، وقطع أي روابط سابقة مع الإمارات، مع سعي سعوي على لسان الشهراني لاحتواء كل «قوات الانتقالي» التي انسحبت من حضرموت والتي لازالت موجودة في عدن «الحزام الأمني».

«الانتقالي» بين الإزاحة والاحتواء
إسقاط «المجلس الانتقالي الجنوبي» عسكرياً ثم تصفيته سياسياً لم يُنهِ القضية الجنوبية، بل جردها من حاملها السياسي المنظم المدعوم إماراتيا، ما يعني أن طرح «الحوار الجنوبي -الجنوبي» بعد هذا الإسقاط يحوّله إلى آلية احتواء تُدار سعودياً، بما يُحافظ على الأولويات السعودية في حضرموت والمهرة والجنوب عموماً لا بما يؤدي إلى معالجة القضية الجنوبية كقضية وطنية يمنية ومفتاحاً للحل اليمني الشامل، كما تزعم التصريحات.
ركزت لقاءات العليمي مع سفراء الاتحاد الأوروبي وألمانيا وبريطانيا خلال الفترة الماضية على تسويق هذا الحوار بوصفه مدخلاً للاستقرار، وجاء إعلان المحافظ استعداده للعمل تحت قيادة العليمي واستقبال قوات «درع الوطن» ليكشف عن نجاح السعودية في إعادة هندسة الولاءات، من عدن حتى سقطرى لتشمل الهيمنة السعودية كل المحافظات الجنوبية والشرقية. دون أن يعني ذلك أن سيطرتها مكتملة ومضمونة الاستمرار فرد الفعل الإماراتي لم يأت بعد.

تثبيت السيطرة والضغط على صنعاء
التحركات العسكرية في عدن وشبوة خلال 13 و14 يناير/ كانون الثاني الجاري، وانتشار القوات الموالية للسعودية الى جانب «قوات الانتقالي» التي جرى احتواؤها، بما في ذلك وصول أرتال لـ«قوات درع الوطن» من حضرموت باتجاه عدن، ووصول وفد عسكري سعودي إلى عتق لترتيب تسليم منشآت حيوية مثل بلحاف ومطار عتق، كل هذه التحركات العسكرية جاءت في ظل سياسة سعودية لتثبيت الوقائع الميدانية الجديدة.
خطاب العليمي الموجه نحو صنعاء حول «استعادة الدولة سلــماً أو حرباً»، ولقاءاته مع السفيرين الأمريكي والبريطاني، تأتي في إطار محاولة طمأنة الغرب بأن الحكومة العميلة باتت موحدة وقادرة على إدارة الملف الأمني والبحري.
التهديد بالحرب يُستخدم هنا كورقة ضغط تفاوضية تجاه صنعاء، لا كقرار مواجهة شاملة، في ظل إدراك الكلفة العالية لأي تصعيد مفتوح في الظروف الراهنة، لكن هذا التقدير السعودي قد يتغير إذا نجحت في توحيد المرتزقة عسكرياً، وتحققت الوعود الاقتصادية وجسدت نموذجاً لحكومة تقدم الخدمات والرواتب أفضل من صنعاء، وبدء المجتمع المقارنة بين النموذجين في هذه الحالة قد ترى السعودية ومن خلفها أمريكا وبريطانيا أن العودة إلى التصعيد وتحمل كلفة الرد أن هذه الكلفة مقبولة مقارنة بالنتائج التي ستحصل عليها في الهيمنة على اليمن عموماً من صنعاء إلى عدن.

إعادة التسويق الدولي والوظيفة الأمنية
شهد الأسبوع الماضي نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً للحكومة العميلة شمل لقاءات مع سفراء الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، بريطانيا، الصين، روسيا، اليونان، باكستان، والنرويج، إضافة إلى لقاء المبعوث الأممي في الرياض، والهدف المركزي لهذا النشاط هو تعميم سردية مفادها أن «السلطة الشرعية» تجاوزت أزماتها، وأصبحت شريكاً جاهزاً في «أمن الملاحة ومكافحة الإرهاب» والحرب على صنعاء إذ إن الغرب كان قلقاً طوال الفترة الماضية من أن يؤدي الصدام مع «الانتقالي» لشرذمة المعسكر العميل وإضعافه لصالح صنعاء.

الاقتصاد والقوة الناعمة
إعلان السعودية عن دعم تنموي بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي عقب لقاء وزير الدفاع السعودي برشاد العليمي، ترافق مع حملة إعلامية واسعة لتقديم الرياض بوصفها البديل عن الإمارات والمنقذ الاقتصادي. تصريحات البنك المركزي في عدن حول صرف متبقي رواتب 2025م، والترويج لتحسن نسبي في خدمات الكهرباء والمياه، وإعلان السفير السعودي عن قائمة موحدة لتسليم رواتب سائر المرتزقة بما في ذلك مرتزقة «الانتقالي»، تُستخدم كأدوات لكسب شرعية اجتماعية، والملف الاقتصادي معقد، إلا أن الذهاب نحو حكومة مركزية وقنوات مالية وإيرادات موحدة إلى عدن، والتوقف عن دفع مليار ريال كان يحصل عليها «الانتقالي» شهرياً، هذه المتغيرات سوف تُمكن حكومة المرتزقة إلى حد كبير من معالجة الأزمات التي لا زالت قائمة طوال الفترة الماضية.

الاتجاه العام
تشير مجمل الوقائع إلى أن معسكر العدوان انتقل من مرحلة التفكك والصراع بين الوكلاء إلى محاولة فرض واقع (سياسي -أمني) جديد تقوده السعودية مباشرة عبر رشاد العليمي، يقوم على مركزية القرار، وتوحيد التشكيلات المسلحة في كشف راتب واحد، وتغليب المقاربة الأمنية على أي تسوية سياسية، وتفكيك «الانتقالي» بشكل ناعم.
يستند هذا الواقع إلى إخضاع النخب والمجتمع، وليس إلى شراكة أو توافق، ما يعيد إنتاج منطق القوة ذاته الذي فشل منذ 2015م ، وحتى الآن لم تبدأ الإمارات برد الفعل، الحديث مؤخراً عن سقوط قريتين في حضرموت بيد القاعدة قد يكون مؤشراً لبدء صدام جديد بين السعودية والإمارات في المحافظات الجنوبية والشرقية، وتسارع السعودية في محاولة احتواء «الانتقالي» وأبناء المحافظات الجنوبية والشرقية ومختلف الفصائل العسكرية تهرباً من هذا السيناريو.

أترك تعليقاً

التعليقات