فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في اللحظة التي تنقلب فيها الثورات على ذاتها، لا تحتاج إلى مؤامرات خارجية لتسقط، بل تكفيها تناقضاتها الداخلية، وأولها أن يتحول من يحملون لواء التغيير إلى حراس لبوابات لم يعودوا يفتحونها إلا لمن يدفع ثمن الدخول طاعة وانبطاحاً.
إن صحيفة «لا» التي كانت ولا تزال من أشد المدافعين عن المشروع القرآني الثوري القائم على مبدأ الحرية والكرامة والعدالة، وكانت دوماً في قلب هذا المشروع، وهي التي آمنت به منذ اللحظة الأولى، وكتبت بأحرفها دفاعاً عنه، وواجهت كل من عارضه أو شكك في جدواه، تواجه اليوم مماطلة غير مبررة في تجديد ترخيصها، وعاماً كاملاً من الصمت البيروقراطي الذي لا يفسره إلا شيء واحد: أن من يقفون خلف هذا الصمت يبحثون عن اختبار ولاء لا علاقة له بالشروط القانونية، اختبار ولاء يقول للصحيفة: انحني، طبّلي، زمّري، مجّدي، وحوّلي كلماتك إلى نحنحة تتردد في كل مرة تذكر فيها أسماء من يقفون على قمة الهرم الحكومي، وإلا فلتظلي معلقة في دهاليز الأدراج حتى تفقدي أنفاسك، وهنا يكمن التناقض الفاضح الذي يجب أن يقف عنده كل من يهمه أمر هذا المشروع، فكيف لثورة قامت ضد الفساد أن تتحول إلى غطاء لفساد جديد، وكيف لمنظومة قامت على نقد الماضي أن تمارس اليوم ذات أساليب الماضي في كتم الأصوات، وكيف لمن كانوا بالأمس ضحايا القمع أن يصبحوا اليوم آلة قمع باسم المشروع القرآني الذي ضحى من أجله الآلاف من المجاهدين.
إن هذا التحول ليس مجرد إخفاق إداري، بل هو خطر استراتيجي يهدد المشروع بأكمله، فالثورة التي لا تحتمل النقد، ولا تتسع لاختلاف الرأي، ولا ترى في الصحافة المستقلة إلا خصماً يجب تحييده، هي ثورة تزرع بذور سقوطها بيدها، وتفتح الباب واسعاً لكل من يتربص بها ليقول: ها هي تفعل ما كانت تتهم غيرها به.
ما يحدث لصحيفة «لا» اليوم ليس استثناءً، بل هو نموذج لما يمكن أن يحدث لأي صوت مستقل يرفض الانخراط في ثقافة التطبيل التي يروج لها بعض المتنفذين الذين تسلقوا المشروع القرآني، والذين يظنون أن مناصبهم تمنحهم الحق في أن يكونوا أوثاناً لا تُسأل، وأن أي نقدٍ لهم هو نقدٌ للثورة ذاتها، وهذا الفهم المغلوط هو ما يخلق تلك الفجوة الواسعة بين خطاب الثورة وممارسات من يديرون مؤسساتها، وهنا يصبح السؤال المشروع: هل المشروع الذي انحازت له الصحيفة وضحّت من أجله هو ذاته الذي يمارس اليوم ضدها هذا القمع الخفي، أم أن هناك من يريدون اختطافه من داخله وتحويله إلى مرآة تعكس مصالحهم هم لا مصالح الشعب؟
الصحيفة التي آمنت بأن الثورة كانت من أجل التغيير الحقيقي لا يمكنها أن تتخلى عن هذا الإيمان لمجرد أن بعض المستفيدين حاولوا احتكارها. فالثورة ليست ملكاً لأحد، وهي حالة مستمرة من النضال ضد الظلم أياً كان مصدره، وهي اليوم بحاجة إلى من يدافع عنها ضد من يحاولون تحويلها إلى أداة للقمع، وهذا ما تفعله الصحيفة حين ترفض الانحناء، وحين تصر على أن تكون صوتاً لمن لا صوت لهم، وحين تختار أن تظل صادحة ساطعة نافذة الحروف رغم كل المماطلات والتهديدات.
وهذا المسار لا يتعارض مع المشروع القرآني، بل هو نابع من عمق المشروع القرآني الحقيقي ضد من يريدون تحويله إلى مستنقع، وهذا الفرق دقيق لكنه جوهري، وهو ما يفهمه كل من يقرأ بين السطور، وكل من يعرف أن الصحيفة التي استمدت شرعيتها من الشارع لا يمكن لأي ترخيص أو إلغاء ترخيص أن يغير من حقيقتها شيئاً.
إن ما تخشاه تلك الفئة المستفيدة من المماطلة ليس الصحيفة بحد ذاتها، بل الرسالة التي تحملها، الرسالة التي تقول إن الثورة ليست حروفا أو رصاصات تُرمى في وجه الخصوم ثم تُنسى، وإنما هي حالة مستمرة من اليقظة والمراجعة والنقد الذاتي، وإن من يريدون تجميد هذه اليقظة هم في الحقيقة من يريدون تجميد الثورة ذاتها، لأن الثورة الحية هي التي تتسع للاختلاف وتحتضن النقد وتعتبر الصحافة الحرة شريكاً لا خصماً، أما الثورة التي تخاف من الكلمة وتلاحق أصحابها فليست ثورة، بل هي مجرد محطة عبور إلى شكل آخر من أشكال الاستبداد، وهنا تبرز المفارقة الأعمق: الصحيفة التي دافعت عن المشروع حين كان في أضعف لحظاته، هي اليوم من يدفع ثمن هذا الدفاع غالياً، بينما أولئك الذين تسلقوا المشروع بعد أن نضجت ثماره، هم من يمارسون اليوم دور المدعين والحراس.
إن هذا الانقلاب في الأدوار هو ما يجعله اختباراً حقيقياً لكل من يؤمن بأن الثورة كانت من أجل قيم لا من أجل أشخاص، لأن الأشخاص يتغيرون وتموت طموحاتهم، أما القيم فتبقى، وهي ما ستحكم على من خانها، حتى لو تظاهر بأنه حارسها، وفي النهاية، فإن الصحيفة التي ترفض أن تكون جزءاً من جوقة التطبيل والتزمير ستظل صامدة، ليس لأنها عنيدة، بل لأنها تعرف أن الكلمة التي لا تنحني هي وحدها التي تستحق أن تبقى، وأن المشروع الثوري الذي يخاف من الكلمة الحرة هو مشروع هش لا يستحق الدفاع عنه، وأن من يريد أن يحول الثورة إلى معبد للأوثان الجديدة سيكون مصيره كمصير كل من حاول أن يركب موج التاريخ دون أن يؤمن برسالته، سينتهي إلى حيث ينتهي كل المستفيدين العابرين، بينما تبقى الثورة بأبنائها المخلصين الذين يعرفون أن النقد ليس خيانة، بل هو روح الوطنية، وأن الصحيفة المستقلة ليست عدواً، بل هي العمود الفقري لأي مشروع يريد أن يكون صادقاً مع نفسه ومع شعبه.

أترك تعليقاً

التعليقات