عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في قلب العاصمة الأمريكية، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع الرغبات الشخصية وتُباع الأوهام بنفس الطريقة التي تُباع بها العضوية في نادٍ نخبوي -ادفع المليار أولاً، ثم نناقش كيف نُعيد بناء ما دمرناه، بشرط أن يبقى الجميع في مكانه المرسوم سلفاً- انعقد الاجتماع الافتتاحي لما يُطلق عليه «مجلس السلام»، وذلك في التاسع عشر من فبراير 2026. هذا المجلس، الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب، ضم ممثلين عن سبع وأربعين دولة، في تضخم عددي يثير الريبة -ارتفاع ملحوظ من 40 سابقاً- داخل مبنى معهد السلام الذي أعيد تسميته باسمه، في إشارة واضحة إلى الطابع الذاتي الذي يغلف المشروع، وهي إشارة واضحة إلى محورية «الأنا».
الهدف المعلن هو «إعادة إعمار غزة» المنكوبة، مع وعود مالية بلغت 17 مليار دولار، منها 10 مليارات من الولايات المتحدة الأمريكية و7 مليارات من الدول المشاركة، إضافة إلى خطط لتشكيل قوة حفظ استقرار تضم 20 ألف جندي مقسمة على خمس مناطق مع إرجاء نشرها إلى أبريل بحجة «تعقيدات لوجستية».
ومع ذلك، غياب البعض، ومنهم رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وبعض الدول الأوروبية الرئيسية والفاتيكان، جعل المشهد يبدو أقرب إلى عرض مسرحي لم يستطع إخفاء التناقضات تحت شعار «السلام».. فما هي الأسباب لغياب الدول الأوروبية؟ هل هي حالة الفوقية التي يمارسها ترامب عليهم أم الخوف من إضعاف دور الأمم المتحدة؟ تساؤلات عديدة تُطرح.

واقع يفضح الوعود الرسمية
من خلال تتبع الأخبار والتقارير ذات الصلة، يتضح أن هناك فجوة واسعة بين الخطابات الرسمية والواقع الميداني. بينما يروج ترامب للمجلس كإنجاز يفوق إنهاء صراعات دامت عقوداً، لا يزال الوضع على الأرض يشهد تصعيداً مستمراً. المناطق الشرقية لغزة، ومنها الشجاعية وأبو رشوان، تتعرض لغارات جوية ومدفعية متكررة، مع استخدام آليات هندسية لتدمير ما تبقى من منازل فلسطينية بشكل ممنهج. في الضفة الغربية، شهدت مدينتا قلقيلية ونابلس مداهمات فجرية أدت إلى اعتقال عشرات الشبان وتخريب ممتلكاتهم، في مشهد يتكرر يومياً دون توقف.
هذه التطورات تتناقض تماماً مع الخطاب الرسمي الذي يروج لـ«إعادة الإعمار» و»تعزيز المساعدات الإنسانية». من جهة أخرى، فإن ردود الفعل على منصات التواصل تتسم بالسخرية الواضحة: بعضها يصف المجلس بـ«مهرجان الوهم»، وآخر يسخر من «السلام» الذي يُبنى بالدفع المسبق، مشيراً إلى اشتراط المليار دولار للحصول على عضوية دائمة يحول المجلس إلى «نادٍ للأثرياء».
هذه التناقضات تعكس محاولة لفرض نموذج يجمع بين السيطرة السياسية والربح المالي، في حين يبقى الشعب الفلسطيني خارج دائرة القرار الحقيقي. هل يمثل هذا المجلس خطوة نحو الاستقرار، أم مجرد ستار رقيق يخفي استمرار السياسات القديمة بثوب جديد؟
بالإضافة إلى ذلك، إن هذا التناقض لا يمكن إخفاؤه، فالاجتماع الذي عقد في حقيقته «مؤتمر للاطمئنان الكاذب»، حيث إن الأرقام المالية المعلنة (17 مليار دولار) تبدو متواضعة أمام حجم الدمار، فهي «قطرة في بحر»، وإن الانتهاكات المستمرة تجعل أي حديث عن «سلام» يبدو كمحاولة للتغطية على استمرار الاحتلال. فليس كل الوعود الرسمية شعوراً عاماً يعكس واقعاً ملموساً، بل تُستخدم كأداة لإيهام الرأي العام بتحقيق تقدم وهمي.

اقتصاديات الحرب تحت قناع الإعمار.. وليمة على جثث الضحايا
الجانب الأكثر قتامة وسواداً في هذه الدراما: «بيزنس» الموت تحت مسمى «الإعمار». إن السبعة عشر مليار دولار الموعودة ليست سوى «فاتورة مسبقة الدفع» لشركات المقاولات الكبرى متعددة الجنسيات، التي تنتظر بفارغ الصبر تحويل أنقاض غزة إلى صفقات استثمارية ضخمة. هنا، لا تُعامل غزة كتراب يحمل شعباً مصاباً منكوباً، بل كـ«سوق عقاري» وفرصة ذهبية نشأت على أنقاض الدماء.
إن «اقتصاديات الحرب» في منطق واشنطن تعني أن يد تقتل بالصواريخ، ويداً أخرى تبني بالخرسانة، والرابح في الحالتين هو المجمع (الصناعي -العسكري) وحيتان المال.. هل هي مصادفة أن تُرصد المليارات للإعمار قبل أن يتوقف القتل؟ أم أنها «دورة اقتصادية متكاملة» تبدأ بالهدم الممنهج وتنتهي بالبناء المربح؟ إنها «مأدبة الشياطين» حيث تتحول بقايا الضحايا إلى إحصاءات في سجلات الربح والخسارة، ويصبح «السلام» مجرد غطاء لتمرير عقود التوريد والإنشاء.

تصفية دور الأمم المتحدة وتهميش الشرعية الدولية
في خلفية كل هذه العناوين اللامعة، يحدث مسخ ممنهج لدور الأمم المتحدة وتحويلها من مرجع قانوني وأخلاقي إلى مجرد مراقب صامت على اتفاقيات القوى العظمى. فـ«مجلس السلام» الذي يقوده ترامب لا يأتي كمكمل لجهود المنظمة الدولية على الرغم من ضعف عملها، بل كبديل عنها، كأنه يعلن للعالم: لا حاجة لميثاق الأمم المتحدة، فالاتفاق يُعقد في واشنطن، والتمويل يُقرر في واشنطن، ومعايير «السلام» تُرسم في واشنطن أيضاً.
بهذا المنطق، لا يتعلق الأمر بإعادة إعمار غزة بقدر ما يتعلق بإعادة هندسة النظام الدولي بما يتناسب مع رؤية أحادية تحتقر التعددية، وتتعامل مع القانون الدولي كعقبة يمكن تجاوزها بأمر تنفيذي أو تغريدة.
إن إقصاء الأمم المتحدة عن جوهر هذا المسار، وتقليص دورها إلى المساعدات الإنسانية الهامشية، ليس خطأ بروتوكولياً، بل خطوة مقصودة لترسيخ «سلام بلا قواعد»، سلام يمر فوق أشلاء الضحايا وتحت الطاولة التي تُدار عليها الصفقات.

سلام مصمم حسب مقاسات القوة.. استبعاد الفلسطينيين من منصة القرار
المفارقة الأعظم في هذا المجلس أنه يدعي تمثيل السلام في غزة بينما يُبعد عن منبره أصحاب التراب والدم، أو يستدعيهم على الهامش كزوار شرف في احتفالية تُحدد نتائجها سلفاً. فهل الفلسطيني هنا ليس مشاركاً في رسم الغد؟!، بل موضوعاً للمساومة بين عواصم السلطة، وورقة تفاوض في لعبة السيطرة بين واشنطن وشركائها ومنافسيها؟ تُرسم الحدود، تُحدد طبيعة «قوة الحفاظ على الاستقرار»، تُقسم المناطق إلى قطاعات أمنية، وتُقسم عقود الترميم، وكل ذلك يجري في غياب تمثيل أصيل للإرادة الوطنية الفلسطينية.
إن هذا النمط من «السلام» لا يولد سوى كيان هش، خالٍ من الاستقلالية» اللجنة المشتركة لإدراة غزة»، محاصر بشبكة من الالتزامات الاقتصادية والأمنية التي تحول أي محاولة للتحرر الحقيقي إلى مخاطرة باهظة الثمن. إنه سلام يُطلب من المتضرر التوقيع عليه وهو مربوط، ثم يُعلن للعالم: لقد نلنا موافقة الكل.
ولأن هذا «السلام» مبني ليحمي أمن الآخرين لا أمن الفلسطينيين، فإن شروطه الحقيقية غير مدونة في الوثائق الختامية، بل في مذكرات الاتفاق الأمني وصفقات الأسلحة والتحالفات الإقليمية. فالقوة الدولية المقترحة ليست ضماناً لإيقاف العدوان، بقدر ما هي آلية لمراقبة السكان وحماية الترتيبات ما بعد الحرب، ومنع أي تحول سياسي لا يرضي الجهات الداعمة. هكذا تكتمل الصورة: مجلس «سلام» خالٍ من العدالة، تعمير خالٍ من السيادة، وتعهدات خالية من إيقاف الدمار. وفي الختام، يُطلب من الفلسطيني أن يشيد بالجلاد لأنه تفضل عليه ببعض الطوب، وأن يُشكر هيئة تعامله كرقم في معادلة أمنية، لا كإنسان له حق أساسي في الحرية والعزة وتحديد مصيره.

أترك تعليقاً

التعليقات