سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
الفلسفة التي تسبق البندقية
في عالم الاستراتيجيا، لا تُهزم الجيوش في ساحات القتال فحسب، بل تُهزم أولاً في الأفكار التي تحملها. النص الذي بين أيدينا يختصر هذه الحقيقة في جملة واحدة: إيران تقوم على فلسفة «تقوية نفسها وحلفائها»، بينما تقوم المملكة على فلسفة «إضعاف الخصوم» وشراء الذمم. هذه المقارنة ليست مجرد تبسيط سياسي، بل هي تشخيص لخلل فلسفي عميق: فمن يبني قوته على إضعاف الآخرين، يكتشف -عاجلاً أو آجلاً- أنه لم يبنِ شيئاً سوى هشاشته الخاصة. الحرب على اليمن، بعد أكثر من عقد من الزمن، أصبحت المختبر الذي كشف زيف هذه الفلسفة، والدليل الحي على أن «شراء الذمم» لا يصنع جيوشاً، وأن «إضعاف الخصوم» لا يصنع هيبة.

استراتيجية «الاحتواء» التي انهارت من الداخل
في أكتوبر 2026، لم يكن الحديث عن «انهيار استراتيجية الاحتواء السعودية» مجرد رأي معارض، بل كان تقييماً صادراً عن مركز أبحاث غربي مرموق. وصف روب جيست بينفولد، خبير الأمن الدولي في كينغز كوليدج لندن، ما يجري بأنه «انهيار كامل لاستراتيجية الاحتواء السعودية» لليمن، مشيراً إلى أن الرياض تعاملت مع الحوثيين على طريقة «إسرائيل مع حماس قبل السابع من أكتوبر»، ظناً منها أنها «أضعفتهم» بما يكفي لردعهم. لكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً: الحوثيون «أصبحوا أكثر تجهيزاً للحرب مما كانوا عليه قبل عقد»، بينما «أصبح لدى السعودية ما تخسره أكثر من التصعيد».
هذا ليس فشلاً تكتيكياً، بل فشل فلسفي. الاستراتيجية القائمة على «إضعاف الخصم» تفترض أن الخصم كائن سلبي ينتظر أن يُضعَف. لكن الحوثيين لم يكونوا كذلك؛ لقد «تعلموا أن حتى الضربات المحدودة يمكن أن تفرض تكاليف اقتصادية وسياسية غير متناسبة»، مما منحهم «ورقة ضغط عجز عنها التفوق العسكري التقليدي السعودي». هنا يتجلى الدرس الكلاوزفيتزي: «كل شيء في الاستراتيجية بسيط جداً، ولكن هذا لا يعني أن كل شيء سهل جداً». فالبساطة الظاهرة في معادلة «نمول عملاء، ونقصف الخصم، فيضعف» تخفي تعقيداً لم تحتمله الرياض.

«شراء الذمم».. عندما يتحول المال إلى نقطة ضعف
إن المملكة «وظفت أموالها في سبيل تحقيق ذلك وشراء ذمم وأتباع وعملاء». هذه ليست تهمة أخلاقية فحسب، بل هي وصف دقيق لآلية استراتيجية فاشلة. الأكاديمية السعودية المعارضة مضاوي الرشيد تؤكد أن السياسة السعودية تجاه اليمن منذ عام 1930 ارتكزت على «التلاعب بالتركيبة القبلية والدينية، والعمل الممنهج على إضعاف البلاد وتفخيخها من الداخل»، عبر «سلاح المال وشراء الذمم لاستقطاب مسؤولين وقادة ومشايخ، وتحويل ولائهم من وطنهم إلى النظام السعودي»، بهدف «إبقاء اليمن في حالة دائمة من الضعف والتمزق».
لكن هذه الآلية تحمل بذور انهيارها. فمن يشتري الولاءات بالمال، يحصل على ولاءات تُشترى بالمال. وحين تأتي لحظة المواجهة الحقيقية، «تفر الجيوش المعروضة للإيجار عند أول اختبار حقيقي»، كما صرّح أحد قادة المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، منتقداً «شراء السعودية الذمم في الجنوب». وهكذا يجد النظام نفسه في موقف «ىضعيف غير قادر على الدفاع عن نفسه ناهيك أن ينجدها عملاؤه وأتباعه ويدافعون عنه وعن أنفسهم».
الفلاسفة لم يغفلوا هذه المفارقة. القديس أوغسطين، في تأسيسه لنظرية الحرب العادلة، حذّر من أن الحرب التي تُشنّ بدافع «الجشع والأنانية» ليست حرباً عادلة، بل هي «حرب لصوصية»، لأن «الممالك بدون عدل ليست سوى جماعات كبيرة من اللصوص». والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الحرب تُشنّ أصلاً لإضعاف شعب وشراء ذمم قادته، فأي «عدل» يمكن أن تنتجه؟

ميزان القوى المقلوب.. حين يصبح «الضعيف» هو الرابح
أحد أخطر أخطاء استراتيجية «إضعاف الخصوم» أنها تفترض أن إضعاف الآخر يؤدي تلقائياً إلى تقوية الذات. لكن الحرب على اليمن كشفت العكس: لقد «استنزفت» الحرب السعودية، و»استنزفت مواردها»، وأثارت «ردود فعل واسعة بسبب حملة القصف المدمرة»، حتى اضطرت الرياض إلى «قطع خسائرها» والحفاظ على هدنة هشة منذ 2022. وفي المقابل، استغل القوات المسلحة اليمنية التابعة لسلطة صنعاء الهدنة لـ»تعزيز سيطرتهم الإقليمية وتقوية قدراتهم العسكرية»، ثم عادوا للهجوم على السعودية.
هذا الانقلاب في الميزان ليس صدفة. إنه النتيجة المنطقية لفلسفة تقوم على «إضعاف الخصم» بدلاً من «تقوية الذات». وكما يقول الخبير الاستراتيجي توماس كارلايل: «لا شيء أكثر ضرراً من العمل الاستراتيجي من دون بصيرة». البصيرة كانت تقتضي إدراك أن أنصار الله ليسوا مجرد «خصم» يمكن إضعافه بقصف أو شراء ذمم، بل هم طرف يمتلك «إرادة» لا تُشترى. وقد أقرّ بذلك حتى الباحث «الإسرائيلي» داني سيترينوفيتش: «من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تكريس معادلة ردع مع الحوثيين».
وهنا يظهر الفيلسوف نعوم تشومسكي ليكشف البعد الأخلاقي لهذا الفشل. لقد وصف تشومسكي الحرب السعودية على اليمن بأنها «كارثة إنسانية في بلد فقير جداً»، واتهم الرياض بأنها «مركز التطرف»، وبأنها «لا تمول الإرهابيين فقط، بل تنشر هذا الفكر عبر مساجدها ومدارسها». لكن الأهم من ذلك هو تحليله للبنية الأعمق: «الدعم الأمريكي والبريطاني والفرنسي للسعودية»، حيث «يأخذون منهم النفط ويبيعونهم الأسلحة ويتقاضون المليارات»، بينما الحرب تدمر اليمن. هذا يذكّرنا بكانط في «مشروع السلام الأبدي»، حيث حذّر من أن «الجيوش الدائمة» نفسها هي «تهديد دائم للحرب»، لأنها تجعل الحرب ممكنة ومستمرة. فمن يشتري الأسلحة ليرعب الآخرين، ينتهي به الأمر مرعوباً من ردود الفعل التي لم يحسب لها حساباً.

الحرب العادلة كمرآة.. لا كغلاف
إذا كان النقد الاستراتيجي يكشف فشل «إضعاف الخصوم» عملياً، فإن الفلسفة الأخلاقية تكشف فشلها مبدئياً. توماس الأكويني، في «الخلاصة اللاهوتية»، وضع ثلاثة شروط للحرب العادلة: «أن تُعلن من سلطة عامة شرعية، وأن يكون سببها عادلاً، وأن تكون نية من يشنها مستقيمة»، ثم أضاف لاحقاً شرطي «الاحتمال المعقول للنجاح» و»التناسب بين التكاليف والفوائد». فهل انطبقت هذه الشروط على حرب اليمن؟
السلطة الشرعية: لا أحد ينكر أن التحالف بقيادة السعودية يملك أدوات الدولة، لكن «الشرعية» في الحرب العادلة ليست مجرد أوراق رسمية، بل هي ارتباط بالقانون الدولي والأعراف الإنسانية. أما «السبب العادل»، فقد وصفه تشومسكي بأنه «كارثة إنسانية»، لا دفاعاً مشروعاً. وأما «النية المستقيمة»، فقد كشفتها مضاوي الرشيد: «إبقاء اليمن في حالة دائمة من الضعف والتمزق»، وهو هدف لا يمكن أن يكون «مستقيماً» بأي مقياس أخلاقي.
وحتى «الاحتمال المعقول للنجاح» -وهو شرط براغماتي قبل أن يكون أخلاقياً- فقد انهار. فبعد أحد عشر عاماً، «لا تزال التسوية السياسية بعيدة عن العملاء المحتملين»، و»الحوثيون يعتقدون أنهم ينتصرون وليس لديهم حافز للتنازل». وهكذا تتحول الحرب من «أداة لتحقيق هدف» إلى «هدف في حد ذاتها»، فلقد حولتها شرعية العمالة من حرب في ذاتها إلى حرب لذتها بالمعنى الهيجلي للكلمة، أي إلى استرزاق واستثراء، وهو ما حذر منه الفيلسوف ميشيل فوكو عندما قلب مقولة كلاوزفيتز: «السياسة هي استمرار الحرب بوسائل أخرى»، ليكشف أن العنف لا يظل مجرد «وسيلة»، بل يصبح بنية قائمة بذاتها.

الفلسفة التي تنتصر.. حتى وهي مهزومة
في النهاية، تعود بنا المقارنة التي بدأنا بها إلى سؤال جوهري: لماذا تنتصر فلسفة «تقوية الذات» -حتى مع كل ما يقال عنها- بينما تنهار فلسفة «إضعاف الخصوم»؟
لأن الأولى تبني «قدرة»، والثانية تبني «وهم قدرة». الأولى تفترض أن الخصم كائن حي له إرادة، والثانية تفترض أنه رقعة شطرنج يمكن تحريكها بالمال أو بالقصف. وكما قال القديس أوغسطين: «إذا قُيّد العدل، أصبحت الممالك جماعات كبيرة من اللصوص». وحين تُبنى الاستراتيجية على «إضعاف» شعب كامل و»شراء» ذمم قادته، فإنها لا تبني مملكة، بل تبني «جماعة لصوص» -على حد تعبير أوغسطين- لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي.
لقد أرادت الرياض أن تُضعف اليمن، فإذا بها تُضعف نفسها. وأرادت أن تشتري الولاءات، فإذا بها تكتشف أن «الجيوش المعروضة للإيجار تفر عند أول اختبار». وأرادت أن تُرهب الخصوم، فإذا بالقوات المسلحة اليمنية التابعة لسلطة صنعاء «أكثر تجهيزاً للحرب من أي وقت مضى». هذه ليست مجرد هزيمة عسكرية، بل هي هزيمة فلسفية. والفلسفة، كما قال كارلايل، لا ترحم من يعمل «من دون بصيرة».
العنوان الذي يثير الدهشة هو «صفقة خاسرة»، لأنها تصف بدقة المفارقة: لقد دفعت الرياض الثمن، لكنها لم تحصل على السلعة. لقد أرادت أن تشتري اليمن، فباعت هيبتها.

أترك تعليقاً

التعليقات