مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
«الخضرجي».. سيّد الألوان في سوق المدينة
في السوق العامة، ذلك القلب المفتوح الذي تنبض فيه المدينة كل صباح، تتداخل رائحة البقدونس مع صياح الدجاج، ويتجاور صوت اللحّام وهو يطرق بالساطور، مع ضحكات النساء وهن يساومن على السعر.
وسط هذه السيمفونية الشعبية يقف الخضرجي، رجل يشبه نافذة تطلّ على الحقول، يأتي بخيرات الأرض، ويقدّمها للمشترين، كمن يضع الربيع على موائدهم.

الفجر في سوق الجملة.. حيث تتكلم الأرض أولاً
قبل أن تمدّ الشمس يدها للسماء، يكون هو قد وصل إلى سوق الجملة، ذلك الميناء السري الذي ترسو فيه سفن الحقول كل ليلة.
هناك، تحت الأضواء البيضاء، تتراصّ الصناديق كالبيوت الصغيرة، ويضجّ المكان برائحة ترابٍ ما زال دافئاً.
يمسك حبة بندورة، يقربها من أنفه، يحدّق فيها... فهو لا يشتري البضاعة، بل يصطاد أجمل ما تركه الفجر فوق الثمار.

العودة إلى السوق..
القافلة الخضراء
يعود محملاً بصناديق مترفة، ويتسلل إلى السوق العامة قبل أن تستيقظ أصوات الباعة.
العربة تهتز، والثمار تهتزّ معها، كأنها تخفق فرحاً لما ينتظرها من عيون الزبائن هناك، عند مدخل السوق، يراه اللحّامون فيلوّحون له، فهم يعرفون أنه أول من يعيد الحياة إلى المكان.

البسطة الخشبية..
منصة الضوء واللون
يبسط قماشته على بسطته الخشبية العالية، يثبت صندوقاً هنا، وآخر هناك، ثم يبدأ في ترتيب البضاعة بدقّة رسامٍ يوزع الألوان على لوحة.
الخيار يصطفّ كصفّ جنود، والفليفلة ترفع قرونها كأنها رايات حربٍ صغيرة، والبندورة تنتشر كأنها فجر صغير يطلّ من بين الأخشاب.
رشّة ماء واحدة كافية ليعود الندى إلى الثمار، فتلمع البسطة كأنها حديقة معلّقة فوق خشب الزمن.

السوق العامة..
مدينة بألوان كثيرة
من حوله تتعالى نداءات اللحّامين، تتراقص السكاكين في الهواء، وتنتشر رائحة الشواء المبكر.
وفي محيط السوق تتجاور دكاكين بائعي البهارات برائحتها الحريفة.
وعلى الطرف الآخر يقف "خضرجية" آخرون، كل واحد منهم يحاول أن يسرق نظرة من عين الزبون.
أما هو فيكتفي بابتسامة خفيفة، لأنه يعرف أن اللون الصادق لا يحتاج إلى صراخ.
يكفي أن يمرّ طفل بجواره ليقول: "ماما.. تعي نشوف التفاح عند هاد العم"!

الزبائن.. يوميات العابرين
إلى موائدهم
تقترب امرأة تحمل في يدها قائمة، وفي قلبها عجلة نهارٍ طويل.
ينحني ليساعدها، يختار لها الأفضل، ويقول لها بابتسامة أبوية: "خذي هالربطة.. اليوم طالعة بتشهي". ثم يأتي شيخ يعرفه من ثلاثين سنة، يحفظ صوته قبل أن يراه؛ وكأن بينهما ميثاق خضريّ قديم: "اعطيني بطيخة حمرا.. متل كل يوم".
أما الأطفال فيحبونه لأنه يعاملهم كأصحاب سرّ: يمدّ لهم تفاحة أو خيارة ويقول: "هاي هدية السوق".

سرّ المهنة.. يد تعرف 
ما لا تعرفه العين
يحمل حبة، يضغط عليها بخفّة، ثم يعيدها دون أن يشرح لماذا.
فهو يعرف الصوت الذي تصدره البندورة الناضجة حين يلمسها، ويستطيع من رائحة النعناع أن يحدد إن كان من أرض النهر أم من سهول بعيدة.
حين يقف خلف ميزانه، لا يقف كبائع حريص، بل كمن يحافظ على توازنٍ قديم بين الأرض والناس.

الغروب في السوق.. حين تسكت الأصوات ويبقى العطر
مع بداية الغروب، تخف الأصوات من حوله، وتذوب رائحة السوق في هواء المساء.
يجمع ما تبقى من خضاره، يمسح بسطته بيدٍ حنون، ثم ينظر إلى المكان بعين الشكر والرضا. 
ويغلق السوق أبوابه؛ لكن رائحة الخضار التي تركها خلفه تبقى معلّقة في الممرات، كأنها توقيع يوم جديد يستعد للعودة غدًا.

خاتمة:
الخضرجي في الزمن الجميل لم يكن بائعاً فحسب، كان ذاكرة السوق، ووجه الفجر، وظلّ الحقول في قلب المدينة.
كان يضع الخضار على البسطة؛ لكنّه في الحقيقة، كان يضع شيئاً من طيبة الأرض فوق موائد الناس.
وفي السوق القديم، حيث تختلط الأصوات والروائح، يبقى صوته، وابتسامته، وبسطته الخشبية... لمحات من صورةٍ لا تُمحى عن زمنٍ كان بسيطاً، وجميلاً، وكان صادقاً إلى حد بعيد.

أترك تعليقاً

التعليقات