«اتفاقية مكة» ومآلات التحالف الثلاثي.. هل تصمد أمام «ساعة الصفر»؟
- عثمان الحكيمي الأثنين , 10 أغـسـطـس , 2026 الساعة 12:45:06 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
ربما لا يمكن قراءة التوقيع في «قصر الصفا» بمكة بوصفه مجرد استكمال لبروتوكول دبلوماسي عابر، كما يصعب في المقابل الجزم بأنه كان لحظة «تجلٍّ» قاطعة لنظام أمني جديد يولد من رحم الفوضى؛ إذ يبدو أن الأطراف الثلاثة الرياض وأنقرة وإسلام آباد حين وضعت حبرها على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، كانت تتحرك في مساحة ضبابية تحاول فيها إعطاء انطباع بإعادة رسم «المركزية الرمزية والسياسية»، دون أن تتضح ملامح ذلك التشكيل بعد. فبينما كانت أصداء الصواريخ والمسيّرات التي أعقبت العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران في فبراير 2026 والضربات اليمنية ضمن معادلة الحصار بالحصار تتردد في المنطقة، وفي ظل ممرات مائية يلفها الحصار، أثار بروز هذا التحالف أسئلة أكثر تعقيداً من بنوده المعلنة: هل يعكس هذا الترتيب «استجابة اضطرارية» وتدبير وقتي لواقع أمني متآكل؟
وفي هذا السياق، تطرح تفاصيل المشهد ظلالاً من الريبة؛ فحضور الجنرال عاصم منير رفقة شهباز شريف، واختيار مكة بثقلها الرمزي مسرحاً لإعلان يتقاطع مع مصائر مئات الملايين بين جدة وإسطنبول وكراتشي، لا يقدّمان إجابات حاسمة بقدر ما يفتحان باباً واسعاً للتردد والاستفهام.
إن العبارة التي تتردد كتحذيرٍ استراتيجي حاد «أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الجميع» تظل محاطة بضبابية الآليات؛ فهل يشير هذا الغموض إلى ولادة «تكتل دفاعي» ذي ملامح غير مسبوقة، أم أننا بصدد «تحالف ضرورة» هش يجمع المال والتكنولوجيا والترسانة النووية لصنع ساتر مؤقت؟ إن عدم وضوح «آلية الرد» وما إذا كانت ستأخذ مساراً عسكرياً، أم استخباراتياً، أم صناعياً مستتراً هو ما يجعل هذه الاتفاقية أقرب إلى لغز جيوسياسي مفتوح على احتمالات متناقضة: فهل يتجه هذا الثلاثي بالفعل نحو إعادة صياغة موازين القوى، أم أنه يضع نفسه ربما دون قصد أو حُسبان دقيق في قلب صدام إقليمي أكبر؟
هندسة الغموض أم هشاشة الالتزام؟.. «المادة الخامسة» والتبعات المجهولة
إن استعارة روح «المادة الخامسة» من حلف «الناتو» وتوظيفها في سياق إقليمي هش، تثير حزمة من التساؤلات المشروعة حول مدى جدية هذا التعهد، بعيداً عن صخب البيانات البروتوكولية. ففي الوقت الذي نص فيه البيان المشترك على أن «أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول الثلاث جميعاً»، ظلّت الآليات التنفيذية لهذا الالتزام طي الكتمان. هل يعكس هذا الغموض عجزاً عن رسم مسار عملي موحد، أم أنه هندسة متعمدة لصياغة مطاطة تمنح الأطراف مرونة سياسية للتهرب من الاستحقاقات وقت الأزمات؟
علاوة على ذلك، فإن الانفتاح على احتمالية ضم أطراف أخرى لا يفسر كخيار استراتيجي بقدر ما يبدو كرهان على توازنات متغيرة. إن تجميع موارد مالية ضخمة (السعودية)، مع ترسانة تقنية وعسكرية متنامية (تركيا)، وقدرات نووية تقليدية (باكستان)، لا يشكل بالضرورة تحالفاً متماسكاً، بقدر ما يعكس محاولة ترقيع أمني في منطقة تتقاذفها الرياح، حيث لا يزال السؤال قائماً: هل هذا التكتل وعاء للمصالح المشتركة، أم أنه صرح هلامي هش يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية الموحدة؟
ردود أفعال متضاربة.. حظر، ترقب، وخريطة نفوذ جديدة
بينما تُسوّق أطراف «اتفاقية مكة» لهذا التكتل كطوق نجاة، يبدو أن الإقليم يقرأ في هذا التوقيع شيئاً مختلفاً تماماً: نذير اضطراب لا استقرار. فإيران، التي سارعت عبر أروقة برلمانها إلى وصف الخطوة بـ»الرهان الخاسر على سراب الحماية الخارجية»، لا ترى في هذا الحلف سوى استنساخٍ لمظلة أمريكية ثبت فشلها، لا يُقرأ نقد إبراهيم رضائي لـ»الاعتماد على تحالفات خارجية» كونه مجرد موقف سياسي؛ فهل هو إدراكٌ مبكر ومع هذا الترقب الإيراني، يبقى نوعاً من الصمت الرسمي للحكومة في طهران لغزاً لا يمكن فك شفرته؛ أهو انتظارٌ لما ستسفر عنه الميدان، أم محاولةٌ لتفادي الصدام المباشر قبل اتضاح الرؤية؟ فهل هو تكتيك لعدم منح الاتفاقية حجمًا أكبر من حجمها، أم هو ترقبٌ حذر لما قد تحمله هذه الورقة من تحولات ميدانية غير محسوبة؟ مما يفتح الباب أمام تساؤلات هل تستدرج الرياض المنطقة إلى حلقة مفرغة من التصعيد، وفي المقابل، فإن الصمت المطبق الذي يلف «تل أبيب» يشي بحالة من الترقب؛ فهل يمكن لأجهزة الأمن «الإسرائيلية» أن تغمض عينيها عن تلاقي التكنولوجيا التركية مع الترسانة النووية الباكستانية؟، وهو ما يثير ريبة نيودلهي أيضاً، التي تراقب هذا الكيان الناشئ بعين الحذر، متسائلة إن كان هذا الترتيب سيتحول يوماً إلى جبهة مناهضة لمصالحها. أما القاهرة، فتبدو وكأنها تقف على الحياد المتوجس، مدركةً أن هذا الاصطفاف قد يفرض عليها خيارات مريرة في المستقبل؛ فهل هذه الاتفاقية مظلة أمنية كما يُدعى، أم هي مشروع تكتل إقصائي يعيد فرز القوى الإقليمية إلى معسكرات أكثر حدة؟
وبينما تتجه الأنظار نحو العواصم الغربية، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً فوق العواصم الآسيوية؛ فكيف تقرأ بكين الشريك الاستراتيجي لإسلام آباد هذا المثلث الجديد؟ هل ترى فيه امتداداً طبيعياً لنفوذها في العمق الآسيوي، أم بوابةً تُدخل تركيا، العضو في حلف «الناتو»، إلى قلب فضاءٍ كانت تعتبره شأناً خاصاً بها؟ وموسكو، التي تجمعها بتركيا علاقة متقلبة بين الشراكة والتنافر، هل تبارك هذا التقارب بصمت مطبق، أم تُعدّ له حساباً في ملفاتها القريبة من القوقاز إلى المتوسط؟
وقبل كل هذا، يظل السؤال الباكستاني الداخلي هو الأكثر حساسية؛ فإسلام آباد هل تستطيع فعلاً تحمّل التبعات؟ بين أزمة اقتصادية خانقة، وعداء هندي متصاعد، وبيئة إقليمية لا ترحم، تبدو باكستان وكأنها ترهن مستقبلها لمغامرةٍ قد تكون أوسع من قدراتها؛ فهل هي الطرف الرابح في هذه المعادلة، أم الخاسر الأكبر الذي قد يجد نفسه وحيداً عند أول اختبار؟
ولا يمكن هنا تجاهل جيران الرياض أنفسهم؛ فدول الخليج التي اعتادت إدارة توازناتها بعيداً عن الضجيج، تنظر إلى هذا الاتفاق بعين المتفرج المتوجس: هل هو سياجٌ يحمي الجميع، أم سورٌ يعيد رسم الحدود بين الحلفاء والخصوم داخل البيت الخليجي نفسه؟
إن المواقف الدولية، من واشنطن التي ترحب بتقاسم الأعباء بحذر، إلى العواصم التي تراقب من بعيد، تشير إلى حقيقة واحدة: لا أحد يثق تماماً في ديمومة هذا التحالف. والريب الحقيقي يكمن في السؤال الذي يتهرب الجميع من طرحه علناً: ماذا لو كان هذا الاتفاق، بما يحمله من غموض، هو الشرارة التي ستحول صراعات الإقليم من نزاعات مضبوطة إلى صدام شامل لا يرحم أحداً؟
ما وراء «اتفاقية مكة»؟
لا يمكن قراءة «اتفاقية مكة» بوصفها مجرد استجابة دبلوماسية عابرة، بل هي حركة شطرنج استراتيجية بدأت ملامحها تتشكل في لحظة حرجة من تاريخ الإقليم. فالسؤال الجوهري: لماذا الآن بالذات؟ ولماذا هذا التحرك المتسارع؟ الإجابة لا تكمن في الرغبة في التوسع فحسب، بل في «قراءة الواقع الأمني» الذي تفرضه الظروف؛ فقبل توقيع الاتفاقية بيوم واحد، كانت التقارير الدولية تشير إلى مخاوف سعودية حقيقية من هجمات «متعددة الاتجاهات»؛ «تهديدات» تأتي من الشمال عبر حلفاء إيران في العراق، ومن الجنوب عبر اليمن الذي فرض معادلة «الحصار بالحصار»، مستهدفةً شريان الطاقة والموانئ. ومن هنا، لم تكن الرياض توقع اتفاقاً في فراغ؛ فهل توقيع الاتفاقية هو محاولة للانتقال من استراتيجية «العلاقات الدفاعية مع عدة دول» إلى استراتيجية «الالتزام الدفاعي المتبادل والمعلن» مع عدة دول؟
وإذا كانت القراءات السطحية تحاول حصر انضمام تركيا في إطار «التقارب الإسلامي»، فهل يشير الواقع الاستراتيجي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؟ هل تريد أنقرة، العضو الفاعل في حلف الناتو، أنها لا تبحث عن حماية تقليدية، وإنما تمارس ما يسميه الخبراء «الحيطة الاستراتيجية»؟ وهل هي رسالة مفادها أن «الناتو» لن يكون الإطار الوحيد لعلاقاتها الأمنية؟ لا شك أن هذا التحرك يمنح أردوغان مساحة نفوذ أوسع، من الخليج إلى آسيا الوسطى، ويفتح أمام الصناعة الدفاعية التركية أسواقاً واستثمارات ضخمة عبر دمج المال السعودي بالتكنولوجيا التركية؛ فهل نحن أمام عملية توسيع للأدوات لا مجرد زيادة للتحالفات؟
أما عن طبيعة هذا التعاون، فإن التوقعات بوجود زحف عسكري أو إرسال جيوش قد تكون مبالغاً فيها على الأقل في الوقت القريب، فالمعادلة هنا تعتمد على توزيع المهام الذكي. فبينما تبرز باكستان كعنصر «الردع العسكري والاستراتيجي» بقدراتها وخبرتها في حماية المنشآت، تبرز تركيا كذراع تكنولوجية وصناعية. ومن المرجح أن يكون الرد على ما تسميه السعودية «التهديدات» عبر الدفاع الجوي، والمُسيّرات، والأنظمة الإلكترونية، وحماية الملاحة، وهي أدوار تناسب تركيا وتتجنب تورطها في حروب برية استنزافية، وتتناسب مع تاريخ باكستان الحذر من الانخراط في الصراعات المباشرة.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز الصين كـ»رابح استراتيجي صامت»؛ فبكين، التي تمتلك شراكات عميقة مع السعودية وباكستان، وعلاقات متوازنة مع إيران، لا تحتاج لأن تكون عضواً في «اتفاقية مكة» لتستفيد منها، بل على العكس، فإن استقرار هذا المثلث يعني حماية ممرات تجارتها وطرق طاقتها. ومن خلال الشبكة غير الرسمية التي بدأت تتشكل (الصين -باكستان -السعودية)، تبدو بكين كقوة تراقب إعادة تنظيم الإقليم بما يخدم مصالحها الاقتصادية دون أن تضطر لدفع ثمن الانخراط العسكري.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي