عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في ليلة فارقة من ليالي «الشرق الأوسط» المتقلّب، أثبتت إيران أن زمن الصبر الاستراتيجي اللامحدود قد ولّى، وأن المنطق الذي كان يُجيز للكيان الصهيوني ضرب العواصم والمدن دون حساب قد انتهى إلى غير رجعة. حين استهدفت الطائرات «الإسرائيلية» الضاحيةَ الجنوبية لبيروت، لم تضرب مبنًى أو موقعًا بعينه، بل ضربت خطاً أحمراً رسمته طهران بوضوحٍ تام أمام العالم. وجاء الردّ: صواريخُ الحرسِ الثوري الإيراني شقَّت السماء نحو شمال فلسطين المحتلّة ومرتفعات الجولان وعمق الكيان الصهيوني.
وفي السياق ذاته، أعلن اليمن إغلاق باب المندب أمام السفن «الإسرائيلية»، وموجّهًا ضربات إضافية للكيان الصهيوني، لتُغلق المنظومة دائرةَ ردعٍ متكاملة لم يشهدها الصراع بهذه الصورة من قبل. «باب المندب ومضيق هرمز مغلقان في وقت واحد» فهل كانت هذه رسالةٌ مُبطّنة؟ أم أن الرسالة كانت أوضح من أي وقت مضى، «كلفة الحرب لن يدفعها طرف واحد، بل قد تمتد إلى العالم بأسره»؟
الردّ الإيراني على اعتداءات الكيان الصهيوني في لبنان لم يكن جنونًا ولا تهوّرًا، بل كان سياسةً مدروسة لدولة تُحاصَر اقتصاديًا، وتُستهدف أمنيًا، ويُضغط عليها دبلوماسيًا، فلم تجد أمامها إلا أن تُثبت أن حدود تحمّلها ليست لا نهائية. إيران، في هذه الجولة وإن بدا للكثيرين أنها بادرت فإنها، في الحقيقة، لم تُبادر بالضربات، بل ردّت على عدوان في جبهة كان من المفترض أن تكون ضمن شروط وقف إطلاق النار الذي تم في الحرب السابقة، وإن كانت الحرب لم تنتهِ من وجهة نظري إلى الآن.
وبهذا يمكن القول إن إيران لم تطلب الحرب، بل فرضت معادلة جديدة تقول: «ما يزرعه الكيان الصهيوني في بيروت سيحصده في تل أبيب»، وهذه المعادلة ومهما اعترض عليها المعترضون هي التي ستجبر نتنياهو على التراجع أو التفكير ألف مرة قبل كل صَلَفٍ يُقدِم عليه.

الردُّ واجبٌ قبل أن يكون خيارًا.. إيران لم تبدأ الحرب، بل رفضت الاستسلام لها
ثمة مغالطة تتكرر في التغطيات العربية والغربية تُصوّر إيران كمعتدٍ في هذه المواجهة، وهي مغالطة لا تصمد أمام وقائع التسلسل الزمني الحقيقي للأحداث. الكيان الصهيوني هو من ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت أولًا، وهو من وسّع عملياته في لبنان، وهو من تجاوز الخطوط التي أعلنتها طهران صراحةً. إيران لم تفعل سوى أن أوفت بكلمتها، وهو فعلٌ يُحسَب لها لا عليها في عالم تُقاس فيه المصداقية بالالتزام بالتحذيرات. الردّ الإيراني كان متناسبًا بشكل لافت؛ استهداف قاعدة الطائرات التي نفّذت الضربة على لبنان، وهذه، بحدِّ ذاتها، عبقريةٌ إيرانية؛ فطهران تصرّفت بعقلانية واستراتيجية عالية، إذ تميّز بين إيصال الرسالة وإشعال الحرب.
إضافةً إلى ذلك، فإن المؤسسة العسكرية الإيرانية أثبتت أنها تملك القدرة على الاستهداف الدقيق والتحكم في سقف التصعيد في آنٍ واحد، وهذا مستوى من النضج العسكري والسياسي لا يمكن تجاهله، بل يجب التعلّم منه. الأهم من ذلك أن طهران أثبتت أن تحذيراتها ليست بلاغة فارغة. فحين كان العالم يراهن على أن إيران ستبتلع الضربة في لبنان وتصمت كعادة الدول المحاصَرة جاء الرد ليقلب هذه الصورة رأسًا على عقب. الكيان الصهيوني الذي اعتاد التصرّف بلا حساب في المنطقة اكتشف أن ثمة ثمنًا حقيقيًا لضرب بيروت أو الضاحية، وهذا الثمن سيُعيد تشكيل حساباته في كل عملية مستقبلية.

اليمن وحزب الله وإيران.. منظومة ردع لا مجرد تحالف
ما كشفته هذه الجولة بجلاء هو أن محور المقاومة منظومة ردع متكاملة تتحرك بتنسيق ميداني حقيقي. فبينما كانت صواريخ الحرس الثوري تشق سماء فلسطين المحتلة، أعلن اليمن إغلاق باب المندب أمام سفن الكيان، في رسالة قوية تُفهَم، في معناها المبدئي والأولي، أنها باتجاه «تل أبيب»، لكن هل تُفهَم لاحقًا كرسالة اقتصادية أيضًا يمكن أن تُستخدم باتجاه الحصار المفروض على اليمن؟
وفي هذا الصدد، يمكن القول إن هذا التنسيق ليس مصادفة، بل هو نتاج سنوات من بناء قدرات موزّعة جغرافيًا للمحور، تجعل أي حرب على جبهة حربًا على ممرات الطاقة العالمية في آنٍ واحد. مضيق هرمز وباب المندب ليسا ورقتَي ضغطٍ فحسب، بل هما تعبير حقيقي عن حجم القوة الاستراتيجية التي تملكها طهران وحلفاؤها في مواجهة تفوق عسكري غربي صريح.
أما حزب الله، فهو الجبهة الأكثر إيلامًا وقلقًا للكيان الصهيوني. الحدود البرية المشتركة بين لبنان وفلسطين المحتلة هي واقعة جغرافية لا يمكن لأي قوة جوية محوها. وطالما وُجد حزبُ الله كقوة مسلحة وسياسية، وابتعد عن سياسة ضبط النفس وقواعد الاشتباك، فإن الكيان الصهيوني لا يستطيع ادعاء الأمن الكامل في شماله. وفي الحقيقة، ترى إيران في حزب الله خطاً دفاعياً استراتيجياً للمحور وللمقاومة، وهذه الرؤية تجعل الربط بين الجبهة اللبنانية وأي اتفاق شامل شرطا منطقيا لا ابتزازا.

الردع الإيراني رسم حدود التدخل الأمريكي
الدليل الأقوى على نجاح الاستراتيجية الإيرانية لم يأتِ من بيانات طهران، بل جاء من واشنطن نفسها. ترامب الذي لا يتوانى عادةً عن دعم الكيان الصهيوني بشكل مطلق أبدى هذه المرة استياءً صريحًا من الرد «الإسرائيلي»، ومخاوف من تأثيره على مسار المفاوضات مع طهران، طبعًا بحسب ما أعلنه هو نفسه.
بكل الأحوال، ما يهمنا هو أن الضربة الإيرانية حققت ما عجزت عنه سنوات من الدبلوماسية: جعلت واشنطن تضغط على نتنياهو للَجْمِ نفسه. أمريكا لم تتراجع لأنهـــــــا أحبّت إيران، بل لأنها أدركت أن الحرب الشاملة مع طهران ستُفضي إلى كوارث اقتصادية وعسكرية لا تحتملها، وأن المضائق المغلقة، وأسعار النفط المرتفعة، والمستنقع العسكري في الخليج، هي ثمن لا تريد دفعه.
إيران، بهذا المعنى، حوّلت الحصار الاقتصادي المفروض عليها إلى سلاح عكسي؛ فكل ضغط أمريكي على طهران يجعل العالم يدفع الثمن قبل أن تدفعه إيران. 
انقسام واشنطن الداخلي بين تيار التفاهم وتيار المواجهة هو انتصار آخر للمقاربة الإيرانية التي آثرت الصمود والتحدي على الانكسار. الدولة التي تصمد تحت الحصار، وتُبقي نفوذها الإقليمي، وتردّ على الضربات بصواريخ دقيقة، تحقق ما لا يمكن لأي اتفاق دبلوماسي تحقيقه: «الاحترام القَسري والاعتراف المُكرَه».

ما لم يقله البيان الإيراني قالته الصواريخ.. الرسائل الثلاث
أثبتت هذه الجولة أن طهران تمتلك قدرة التواصل الاستراتيجي بأدوات أكثر وضوحًا من أي بيان دبلوماسي. فالصاروخ الذي يصل إلى العمق الصهيوني يقول، في ثوانٍ، ما تعجز عنه جلسات المفاوضات في أشهر وسنوات.
الرسالة الأولى موجّهة إلى الكيان الصهيوني: إيران أعلنت نهاية حقبة اللامُعاقَبة. لن يستطيع الكيان أن يضرب ويعود إلى سرير هادئ دون أن يتوقع ردا يطال عمقه. هذا تغيير جوهري في قواعد الاشتباك لم تنجح عشرون سنة من المفاوضات في تكريسه.
الرسالة الثانية موجّهة إلى حلفاء المحور: طهران قالت بصوت عالٍ إنها لن تتركهم وحدهم. حزب الله الذي يتحمّل وطأة الضربات «الإسرائيلية» في لبنان رأى حليفه يردّ فعليًا لا كلامًا، واليمن الذي يقاتل في أصعب الظروف رأى تنسيقًا حقيقيًا. هذا التضامن العملي هو ما يُبقي المحور متماسكًا رغم كل الضغوط.
الرسالة الثالثة موجّهة إلى الداخل الإيراني: شعب يعاني الحصار والغلاء وتبعات الحرب يحتاج إلى أن يرى أن دولته لا تنكسر تحت الضغط. الرد العسكري الناجح ليس حدثًا عسكريًا فحسب، بل هو رسالة شرعية داخلية تُعيد بناء الثقة بين المواطن والنظام في لحظة بالغة الصعوبة. طهران ربحت الداخل قبل أن تربح الخارج، وهذا ما يُغفله كثير من المحللين الغربيين في تقدير قوة إيران الحقيقية.

المؤشرات تقول حربا.. والسؤال ليس أين، بل متى؟
ختاما، حين هدأ دويّ الصواريخ وعاد الغبار إلى الأرض، بقيت الأسئلة تُلحّ بقوة على كل من يقرأ المشهد بعين باردة: هل انتهت الجولة حقا؟ أم أن ما جرى لم يكن سوى فصل تمهيدي في حرب لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد؟
من يقرأ المشهد بهدوء يدرك أن المؤشرات لا تشير إلى ختام، بل إلى تراكم؛ تراكم معادلة فرضتها طهران، وأربكت بها عقل الكيان الصهيوني قبل ميدانه. فهل يستطيع كيان قام على فكرة «لا يُردع» أن يتكيّف مع واقع جديد؟ وهل يمكن لنتنياهو المحاصر سياسيا أن يقبل بهذا السقف دون أن يدفع ثمنًا داخليًا قد يكون أقسى من أي ضربة خارجية؟
ثم، أليس جوهر الحرب هنا أن القبول بهذه المعادلة يعني اعترافًا ضمنيًا بأن زمن التفوق المطلق قد تصدّع؟ وإذا كان كذلك، فكيف سيتصرّف كيان لا يملك فرصة الاعتراف بالقيود؟ ألن يحاول كسرها؟ وأين؟ أليست الساحة اللبنانية هي الخيار الأقرب والأكثر حساسية؟
لكن، إذا عاد إلى لبنان، فهل يعود لأنه يمتلك رؤية واضحة، أم لأنه عاجز عن التراجع؟ وهل تكون الضربة القادمة فعل قوة أم تعبيرًا عن مأزق؟
وفي المقابل، ماذا عن طهران؟ هل المسألة بالنسبة لها ردّ فعل أم إدارة معادلة؟ وهل الردع الذي بنته في هذه الجولة قابل للاختبار؟ ثم إن السؤال الأهم: حين يأتي الاختبار الحقيقي، هل ستتصرف إيران بمنطق الضربة مقابل الضربة، أم بمنطق تثبيت ميزان جديد بالكامل؟ وإذا ضُربت بيروت مرة أخرى، فهل يكون الرد مماثلًا، أم مختلفًا، أم مؤجّلًا بحسابات أعمق؟ وكيف تُقاس المصداقية هنا: بالفعل الفوري أم بالنتيجة التراكمية؟
المشهد، في جوهره، ليس معقدًا بقدر ما هو مأزوم: كيان لا يستطيع قبول المعادلة، وإيران لا تستطيع التراجع عنها. وبينهما، لبنان، ساحة مفتوحة لاختبار لا أحد يضمن حدوده. فهل نحن أمام مواجهة حتمية؟ أم أمام لعبة حافة الهاوية التي يتقنها الجميع ولا يسيطر عليها أحد؟ وهل الجمر تحت الرماد كافٍ ليشتعل مجددًا، أم أن الريح القادمة هي التي ستقرر توقيت الانفجار؟

أترك تعليقاً

التعليقات