خروج الجنود.. ودخول الضباع.. قاعدة «التنف».. هل غادرت أمريكا حقاً أم اكتفت بتغيير الحارس؟
- عثمان الحكيمي الثلاثاء , 17 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:08:11 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في لحظة درامية تكاد تكون كوميدية، وفي أحدث فصول المسرحية الهزلية التي تُعرف بالسياسة الخارجية الأمريكية، قررت واشنطن، بكل كرمها المعهود، وبعد تنسيق «ودّي» أكدته الجهات التابعة لحكومة الجولاني والقيادة المركزية الأمريكية، أن تعيد لعبة «التنف» إلى أدواتها. لقد سلّمت القوات الأمريكية مفاتيح قاعدتها الصحراوية الفاخرة، تلك التي كلفت المليارات بذريعة مطاردة أشباح «داعش»، إلى حكومة الجولاني. يا لها من لفتة «تنسيق» نبيلة! هذا الانسحاب، الذي احتفلت به حكومة الجولاني كـ«انتصار استراتيجي»، ولربما وصفته واشنطن بـ»إعادة تموضع مدروس»، يبدو في حقيقته مسرحية سياسية متقنة التفاصيل، إذ يُقدم الجميع دوره ببراعة: الأمريكيون ينسحبون «بشرف»، والسوريون يستعيدون «السيادة»! فمن يصدق أن هذا الانسحاب تحوُّل استراتيجي، فهو حتماً يصدق أيضاً أن الضباع يمكن أن تصبح حراساً للفرائس، وهو كمن يصدق أيضاً أن من أشعل النار سيصبح فجأة رجل الإطفاء! الحقيقة أبسط وأكثر وقاحة: سورية بكل أرضها والأدوات الموجودة فيها ليست سوى قاعدة أمريكية مفتوحة، والأدوات ستتولى دور القوات الأمريكية.
التوقيت
يقولون إن التوقيت هو كل شيء. وهنا يبدو أن ساعة واشنطن تدق على إيقاع مختلف. فجأة، وبعد سنوات من التسكع في البادية السورية بذريعة “الأمن العالمي” و”مكافحة داعش”، اكتشف البنتاغون أن الحفاظ على بضعة جنود في الصحراء أمر مكلف. يا له من اكتشاف عبقري! هذا “الوعي المالي” المفاجئ، تزامن مع إخلاء “قاعدة الشدادي”. ومع هذا، ماذا عن تزايد التقارير حول خلايا “داعش” النائمة؟! هل تنتظر الإشارة الخضراء للاستيقاظ؟! أم أن “الحرب على الإرهاب” انتهت فعلاً؟ أم ربما قررت واشنطن أن تترك السوريين والعراقيين يديرون “الحفلة” بأنفسهم، بينما تحتفظ هي بالطائرات المسيّرة والاستخبارات والحق في العودة متى شاءت؟ يبدو أنها في الواقع “إدارة النفوذ عن بعد”، نسخة 2026: رخيصة، مرنة، وخالية من المسؤولية المباشرة. وبحسب بيان القيادة المركزية الأمريكية، فإن “مهمة مكافحة داعش لم تنتهِ”، وأن القوات “جاهزة للرد على أي تهديد”. وبالتالي، الانسحاب ليس انسحاباً حقيقياً، بل مجرد إعادة ترتيب المقاعد: الجنود ينتقلون إلى قاعدة البرج 22 في الأردن (على بعد أميال قليلة فقط)، والطائرات تبقى في السماء، والعبء يُحمَّل للأدوات المحلية الجديدة. إنها بالفعل عبقرية في التوفير، أليس كذلك؟!
من سيرث الفوضى؟ مزاد علني على المثلث الحدودي
التداعيات الإقليمية تأتي كالعادة بطعم التناقض المُر. المثلث الحدودي السوري - العراقي - الأردني، الذي كان يُقال إنه يحجب “الممر الإيراني” إلى البحر المتوسط، يعود الآن تحت سيطرة أدوات أمريكا بالكامل، وبالتالي يبدأ المزاد العلني على المثلث الحدودي. في الوقت نفسه، تهرول حكومة الجولاني لرفع علمها، معلنة “النصر” واستعادة “السيادة” على بضعة كيلومترات من الرمال. أما “قسد” في الشمال الشرقي، فتجد نفسها أمام واقع جديد؛ الداعم الأمريكي يتراجع خطوة خطوة، ما يجعل التفاوض والاتفاق مع دمشق الخيار الوحيد المتبقي. فـ”قسد” تعيش خيبة أمل مُقنعة بتفاهمات مؤقتة، وخلايا “داعش”، التي يفترض أنها “انهزمت”، ستخرج من جحورها لتتفقد الساحة الجديدة التي أصبحت أقل ازدحاماً.
وبالتالي، فإنه المشهد المثالي لـ”الفوضى الخلاقة”، التي تعشقها واشنطن. لقد ألقت قطعة لحم نيئة في قفص مليء بالوحوش الجائعة، ثم ستجلس لتستمتع بالعرض. أما الحديث عن “مستقبل الإدارة الذاتية” فهو أشبه بالحديث عن حقوق الحيوان في مسلخ. لقد كانوا مجرد أداة مؤقتة، ورقة لعب تم حرقها بدم بارد حين تغيرت قواعد اللعبة. والآن يُطلب من حكومة الجولاني، التي لا تمتلك القدرات التقنية والاستخباراتية الكافية، أن تتولى حراسة المثلث الحدودي ومطاردة خلايا “داعش”. وبحسب المنطق الأمريكي، واشنطن تبتسم وتقول: “نثق بكم”؛ كأنها تسلّم مفاتيح بنك إلى مجموعة من اللصوص وتطلب منهم حراسته بأمانة.
ما وراء الستار.. تغيير الحارس لا تغيير السياسة
الحقيقة الأكثر سخرية أن قاعدة “التنف” لم تكن يوماً مجرد نقطة عسكرية لمحاربة “داعش”، بل كانت في الواقع مسمار جحا، شوكة في حلق المنطقة، أداة متعددة الاستخدامات: قطع الطرق، عرقلة التواجد الإيراني، وإرسال رسائل جيوسياسية، كما أنها مركز لإدارة شبكة من العملاء والمرتزقة.
ومع رحيل النظام السابق وتسلّم الجولاني -أو من يُسمّى الآن “رئيس سورية الجديدة”- السلطة، أصبحت دمشق فجأة العضو رقم 90 في “التحالف الدولي ضد داعش”. يا له من تحوُّل مذهل! من “نظام إرهابي” إلى “شريك موثوق” في أقل من عام! حتى المبعوث الأمريكي توم براك لم يتوانَ عن كيل المديح لـ”سورية الجديدة”، واصفاً إياها بشريك كامل في “محاربة الإرهاب”. وعليه، كأن الأكراد، الذين قاتلوا نيابة عن واشنطن لسنوات، لم يكونوا موجودين أصلاً. الآن، بعد أن أُحرقوا، يُكافأ الضبع الجديد بالثناء الرسمي والتسليم الرسمي.
ومن ثم، لم تعد هناك حاجة لقواعد برية تُكلف ملايين يومياً وتُثير غضب الرأي العام الداخلي، في حين أصبحت حكومة الجولاني الضبع المطيع للأمريكان. “داعش” لم يعد الذريعة الكافية، فالأولوية تحولت إلى “إدارة الصراع”. لقد باعت واشنطن الوهم لسنوات، واليوم تبيع الفراغ، وبالتالي، من يشترِ هذا الفراغ سيجد أنه مليء بالألغام والوعود الكاذبة. أمريكا لم تغادر، بل خلفت أدوات في سورية، وذهبت لتحضّر نسخة جديدة وأكثر فتكاً من قواعد اللعبة.
في الختام، يبدو أن واشنطن قد قررت أخيراً أن تُنهي “الفصل الصحراوي” من روايتها السورية بأسلوب يليق بمخرج هوليوودي قديم: انسحاباً بطولياً وتسليم المفاتيح للبطل الجديد الذي كان حتى الأمس “إرهابياً”. اليوم، حكومة الجولاني تتلقى التهاني الدبلوماسية كأنها فازت بجائزة أوسكار السيادة، بينما القوات الأمريكية تتراجع مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات إلى قاعدة البرج في الأردن، كمن ينتقل من غرفة النوم إلى غرفة المعيشة في المنزل نفسه ويعلن أنه غادر البيت.
السخرية تكمن في التناقض المذهل: بعد عقد من الزمن قضته واشنطن في وصف أي حكومة دمشقية بـ”النظام الإرهابي”، أصبحت الآن تُمجّد “سورية الجديدة” كشريك موثوق وتُسلّمها قواعد استراتيجية كأنها تُهدي هدية عيد ميلاد. الأكراد، الذين قاتلوا وماتوا نيابة عنها، يُتركون يتساءلون في صمت: هل كنا مجرد إيجار مؤقت انتهت مدته؟! أما خلايا “داعش” فتُمنح فرصة تنفس جديدة في بادية أقل ازدحاماً بالجنود الأجانب، بينما يُطلب من “حكومة” لا تملك بعد اقتصاداً مستقراً ولا قدرات استخباراتية متقدمة، أن تُثبت “جدارتها” في مطاردة أشباح صنعها الجميع معاً.
في النهاية، لم ينسحب أحد حقاً. الطائرات بدون طيار لا تزال تحلّق، والاستخبارات لا تزال تُراقب، والقدرة على العودة تبقى محفوظة في الجيب. ما تغيّر هو عنوان الوكيل المحلي فقط. واشنطن لم تترك المنطقة، إنما قررت أن تديرها من بعيد، بتكلفة أقل، ومخاطر أقل، وبجرعة إضافية من الوقاحة الدبلوماسية. أما الشعب السوري، فكعادته، يظل المتفرج الوحيد الذي يدفع ثمن التذاكر... ويُجبر على تصفيق النهاية السعيدة المزعومة.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي