عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في الجغرافيا السياسية، نادرًا ما تكون الفوضى عفوية، وغالبًا ما تأتي محمّلة بوظيفة تتجاوز ظاهرها. ففي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها خطوط الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية، تعود ظاهرة القرصنة البحرية إلى الواجهة، لكن هذه المرة في سياق مختلف يتجاوز الفوضى التقليدية نحو هندسة أمنية مدروسة.
ما يحدث في البحر العربي، من تصاعدٍ لعمليات القرصنة وانتقالها من السواحل الصومالية إلى عمق السواحل اليمنية، لا يمكن قراءته كحوادث معزولة، بل كمؤشر على إعادة إنتاج مشهد أمني يخدم أجندات استراتيجية أوسع. ويتزامن هذا التصعيد مع توترات أمريكية متصاعدة تجاه إيران، ما يفتح الباب أمام فرضية توظيف "التهديد البحري" كأداة لإعادة التموضع العسكري في واحدة من أهم عقد الملاحة العالمية، باب المندب. وفي هذا السياق، تبدو الأحداث وكأنها حلقات في سيناريو مركب، يُعاد فيه تعريف الخطر، لا بوصفه واقعًا طارئًا، بل كوظيفة سياسية تخدم إعادة توزيع النفوذ في المنطقة.

القرصنة كمسار مُدار
يُظهر المسار الزمني لعمليات القرصنة الأخيرة نمطًا يصعب تفسيره ضمن إطار النشاط التقليدي للمجموعات البحرية الخارجة عن القانون. بدأت الأحداث من السواحل الصومالية بمحاولات اختطاف محدودة، سرعان ما تطورت إلى حوادث أكثر تعقيدًا قبالة حضرموت، قبل أن تبلغ ذروتها في حادثة اختطاف ناقلة "يوريكا" قرب سواحل شبوة. هذا التدرج لا يعكس فقط تصعيدًا في الجرأة، بل يشير إلى انتقال جغرافي محسوب نحو مناطق ذات حساسية سياسية وأمنية عالية. اللافت أن العملية جرت في نطاق نفوذ قوى محلية مدعومة إقليميًا ودوليًا، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الاختراق الأمني أو احتمالات التواطؤ. والأكثر إثارة للريبة هو غياب أي استجابة حاسمة، رغم توفر الإمكانيات العسكرية والرقابية في المنطقة، وهو ما يقوض فرضية "العجز" ويعزز فرضية "الإدارة المتعمدة للأزمة". وبهذا المعنى، تتحول القرصنة من فعل إجرامي إلى أداة ضمن بيئة مُدارة، يُعاد فيها إنتاج التهديد بما يخدم ترتيبات أمنية قادمة. وهذا ما يجعل قراءة المشهد تتطلب تجاوز السطح، نحو فهم البنية التي تُنتج هذه الأحداث وتُعيد تدويرها سياسيًا.

واشنطن وصناعة التهديد البحري
واحدة من أكثر الزوايا إثارة في هذا المشهد هي طبيعة "الاستجابة الدولية"، أو بالأحرى غيابها اللافت. فضمن قراءة أوسع للسلوك الأمريكي في الممرات البحرية الاستراتيجية، لا يبدو استدعاء "خطر القرصنة" جديدًا، بل يدخل ضمن نمط متكرر من توظيف التهديدات الأمنية لتبرير الحضور العسكري. تاريخيًا، ارتبطت التدخلات الأمريكية في مناطق مثل القرن الإفريقي والخليج بسرديات "حماية الملاحة الدولية"، غير أن هذه السرديات كثيرًا ما كانت تتزامن مع أهداف جيوسياسية أعمق. وفي الحالة الراهنة، تتعزز الشكوك مع وقوع الحوادث في نطاق تأثير مباشر لتحالفات مدعومة أمريكيًا، ومع ظهور مؤشرات على تنسيق غير معلن بين أطراف إقليمية. إن إشراك ناقلة إماراتية في مسرح الحدث، ضمن بيئة أمنية خاضعة جزئيًا لإشراف أمريكي، يعكس تشابكًا معقدًا بين المصالح، ويضع علامات استفهام حول حدود الدور الأمريكي بين الحماية والإدارة. وبهذا المعنى، لا تبدو واشنطن مجرد طرف مراقب، بل فاعل يسعى إلى إعادة تعريف التهديد بما يسمح له بإعادة الانتشار تحت غطاء شرعي دولي.
الأزمات تُدار أحيانًا عبر السماح لها بالنضج إلى الحد الذي يجعل التدخل لاحقًا يبدو ضرورة لا خيارًا. هذا النمط يعيد طرح سؤال الوظيفة: هل يُراد احتواء القرصنة، أم تضخيمها؟ وعندما تُترك حادثة بهذا الحجم دون تدخل، فإنها تتحول من تهديد محدود إلى مادة لإعادة إنتاج خطاب الخطر. وهنا، يصبح الغياب جزءًا من الفعل، لا نقيضًا له. فإدارة الأزمة لا تعني دائمًا إخمادها، بل أحيانًا تركها تتشكل بما يخدم أهدافًا أكبر.

باب المندب كعقدة صراع استراتيجي
لا يمكن فهم ما يجري دون وضع باب المندب في قلب التحليل. فمضيق باب المندب يمثل أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه نقطة ارتكاز في معادلة الطاقة والتجارة العالمية. والسيطرة عليه تعني امتلاك قدرة غير مباشرة على التأثير في تدفقات النفط وسلاسل الإمداد الدولية. من هنا، يصبح أي اضطراب أمني في محيطه ذا قيمة استراتيجية عالية، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. في هذا السياق، يمكن قراءة إعادة تنشيط ملف القرصنة كمدخل لإضفاء شرعية على وجود عسكري مكثف، يتيح مراقبة دقيقة لحركة السفن، بما في ذلك الناقلات المرتبطة بخصوم واشنطن. كما أن تعزيز الحضور في هذه المنطقة يمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط متعددة الاستخدامات، سواء في سياق التفاوض أو الردع. واللافت أن هذا التوجه يتقاطع مع تحولات أوسع في النظام الدولي، حيث تتزايد أهمية التحكم في "نقاط الاختناق البحرية" كأداة للنفوذ، ما يجعل باب المندب ساحة مفتوحة لإعادة رسم توازنات القوة.

تداعيات المشهد وخيارات الفاعلين الإقليميين
إذا كانت الفوضى تُدار لإنتاج واقع جديد، فإن السؤال الأهم لم يعد: ما الذي يحدث فقط؟ بل: كيف يُفهم، وكيف يُواجَه؟ هل تدرك صنعاء أن ما يجري في البحر العربي يتجاوز كونه تصاعدًا عابرًا في القرصنة، إلى مسار منظم لإعادة تشكيل البيئة الأمنية؟ وهل تراقب هذا التدرج باعتباره محاولة مدروسة لفرض معادلات جديدة في باب المندب؟ ثم هل تمتلك القدرة على التحرك في التوقيت المناسب قبل أن تتحول هذه الفوضى إلى أمر واقع؟ في المقابل، هل تعي بقية الدول أن الاكتفاء بالمراقبة قد يفتح الباب أمام تكريس هيمنة طويلة الأمد؟ هذه التساؤلات تفرض نفسها في ظل مشهد يتشكل ببطء، لكنه يحمل تحولات عميقة. في صنعاء، يتزايد الإدراك بأن ما يحدث ليس أمنيًا فقط، لكن يبقى السؤال: هل يتحول هذا الإدراك إلى استراتيجية واضحة؟ وهل يكون الرد عبر التصعيد أم عبر أدوات توازن غير مباشرة؟ وإذا كان التصعيد خيارًا، فهل المنطقة مستعدة لتحمل نتائجه؟ ومن جهة أخرى، هل نحن أمام إعادة إنتاج لنمط قديم تُخلق فيه الأزمات ثم يُعاد توظيفها لتبرير الحضور العسكري؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تدرك القوى الإقليمية أن التأخر في الفهم يعني خسارة القدرة على التأثير؟ إقليميًا، هل تتجه الدول نحو مواقف مشتركة، أم أن الانقسام يمنح القوى الكبرى مساحة أوسع للتحرك؟ في النهاية، لم يعد البحر مجرد ممر، بل ساحة صراع مفتوح، والسؤال الحقيقي: من يقرأ المشهد بدقة، ومن يُفرض عليه لاحقًا أن يتعايش معه؟

أترك تعليقاً

التعليقات