عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في زمن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم يعد الحديث عن مستقبل اليمن ترفًا سياسيًا أو اجتهادًا نظريًا يُكتب في زوايا الصحف ثم يُنسى، بل أصبح ضرورة وجودية تفرضها تحولات الداخل وتعقيدات الإقليم. فاليمن اليوم يقف عند تقاطع حاسم بين إرادة بناء الدولة بمؤسساتها وبين مخاطر التآكل المستمر الناتجة عن الانقسامات والصراعات الممتدة.
في خضم هذه اللحظة التي تتكاثر فيها التحليلات والتي تذهب بعيدًا في قراءة المشهد الإقليمي والدولي، تغفل كثير من هذه التحليلات عن حقيقة أن مفتاح التغيير يبدأ من الداخل. إن أي رهان على التحولات الدولية أو الإقليمية دون إعادة ترتيب البيت اليمني هو رهان ناقص، إن لم يكن مضللاً. لذلك، تبدو الحاجة ملحة لقراءة واقعية تنطلق من معضلاتنا الوطنية، وتعيد تعريف علاقتنا بالتحولات الجارية، لا باعتبارها خلاصًا جاهزًا، بل فرصة يمكن توظيفها إذا ما قوينا مشروعنا الوطني الواضح.
نعم، نحن أمام لحظة تاريخية فاصلة، تتقاطع فيها التحولات الإقليمية، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى في المنطقة على نحو يفرض على اليمنيين أن يعيدوا تعريف أولوياتهم الوطنية قبل أن يفعل الآخرون ذلك نيابة عنهم. فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، والجوار العربي يدخل طورًا جديدًا من إعادة التموضع السياسي والاقتصادي والأمني، فيما لا يزال اليمن عالقًا بين سرديات الحرب ومخلفات الانقسام. غير أن الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن هذه التحولات الدولية والإقليمية، مهما بلغ تأثيرها و أهميتها، لا تصنع مستقبل اليمن بقدر ما تضغط على مساراته وتعيد تشكيل بيئته؛ إذ يظل هذا المستقبل مرهونًا بما ينجزه اليمنيون في الداخل أولًا، من خلال قدرتهم على مواجهة معضلاتهم الوطنية بشجاعة، وإعادة بناء الدولة على أسس السيادة والاستقلال والعدالة والشراكة. وحين نلتفت إلى الداخل بصدق، لا ننفصل عن الإقليم، بل نستشرف أبعاده بوعي لا بانبهار، ونحوّل التحولات المحيطة إلى فرصة تاريخية يمكن توظيفها للدفع بالحق اليمني نحو أفق جديد.

معضلاتنا الوطنية المؤجلة
أكبر خطأ ارتكبته النخب اليمنية خلال العقود الماضية هو أنها ظلت تبحث عن حلول الخارج قبل أن تواجه أزمات الداخل. واليوم، وبعد سنوات الحرب والتشظي، بات واضحًا أن معضلة اليمن الأساسية ليست فقط في التدخلات الإقليمية أو الصراعات الدولية، بل في هشاشة البنية الوطنية نفسها.
حين نحلّق على انخفاض قريبًا من معضلاتنا الوطنية، نجد أن التحديات الداخلية ليست معزولة عن الأطماع الإقليمية، بل هي الثغرات التي حاول العدو النفاذ منها لتمزيق النسيج الاجتماعي. لكن هل ندرك أن الالتفات إلى الداخل يعني مواجهة حقيقية مع أزمات قاتلة، وهي معضلات تتطلب حلولًا يمنية خالصة تستشرف الأبعاد الإقليمية دون أن تفرط في الثوابت ودون أن تؤجل معضلاتنا الوطنية؟
أعتقد جازمًا أن النهوض الحقيقي لا يمكن أن يبدأ دون مواجهة صريحة مع هذه الإشكالية. فالتحليق المنخفض سيمنحنا القدرة على رؤية التفاصيل التي تغيب عن التنظير السياسي؛ سنرى وجع الإنسان في الريف والمدينة، ونلمس الحاجة الماسة لثورة حقيقة تكسر طوق التبعية في جميع المجالات.
إن استقرار اليمن الداخلي هو الضمانة الوحيدة لثبات موقفه الإقليمي، فالدولة الضعيفة من الداخل لا يمكنها أن تظل قوية في الخارج إلى الأبد. لذا، فإن مواجهة المعضلات الوطنية بروح ثورية ومسؤولة هي الخطوة الأولى نحو تحويل اليمن إلى مركز ثقل إقليمي حقيقي.
نحن بهذا الطرح لا نهدر الأبعاد الإقليمية، بل نؤصل لها من خلال تمتين الجبهة الداخلية. فاليمن القوي اقتصاديًا والمتماسك اجتماعيًا هو القادر على فرض شروطه وضمان مصالحه في محيطه العربي والدولي، محولًا التحديات إلى فرص للنهوض والريادة. إن الالتفات إلى الداخل لا يعني الانغلاق، بل هو شرط للقدرة على التفاعل الذكي مع الخارج.

التحولات الإقليمية.. فرصة لا ينبغي إهدارها
تشهد المنطقة اليوم تغيرات عميقة في شكل التحالفات ومراكز النفوذ وأولويات الدول. وهذه التغيرات تفتح نافذة مهمة أمام اليمن إذا أحسن قراءة اللحظة واستثمرها بوعي سياسي. فهل ستتجلى عبقرية الموقف اليمني اليوم في قدرته الفائقة على قراءة التحولات الجيوسياسية وتحويلها إلى رافعة صلبة للحق الوطني في السيادة والاستقلال المطلق؟
إن الاستفادة من هذه المتغيرات المتسارعة تتطلب نفسًا طويلًا ورؤية استراتيجية. ينبغي النظر إلى المتغيرات الإقليمية باعتبارها فرصة لإعادة طـــــرح القضيــــــــة اليمنية بوصفها قضية شعب يسعى إلى بناء دولته وسيادته، لا مجرد ملف أمني أو إنساني. كما على اليمنيين أن يتجاوزوا عقلية الانتظار، وأن يبادروا إلى إنتاج مشروع سياسي واقتصادي واضح يجعل من اليمن عنصر استقرار لا عبئًا على المنطقة. إن اقتناص هذه اللحظة يتطلب تعزيز الجبهة السياسية لتواكب الإنجازات الميدانية، وضمان أن تظل السيادة هي البوصلة الوحيدة التي توجه تحركاتنا في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والمتمسكين بحقوقهم التاريخية والجغرافية.
في السياق نفسه، لا يمكن الحديث عن مستقبل مختلف لليمــــن دون تبنـــــــي مسارات تغيير حقيقية تتجاوز الحلول الترقيعية. النهوض الثوري لا يعني الفوضى، بل إعادة بناء الدولة على أسس جديدة قائمة على الشفافية والمساءلــــة والمواطنة المتساوية.
لقد أثبتت التجربة في كثير من البلدان أن عدم فتح المجال أمام النخب الجديدة لا ينتج إلا الأزمات ذاتها. ومن هنا تبرز أهمية فتح المجال أمام قوى جديدة تحمل رؤى مختلفة، وتستطيع تجاوز منطق المحاصصة الضيقة. إن الثورة الحقيقية في اليمن ليست مجرد لحظة احتجاج، بل عملية طويلة لإعادة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي، بحيث يصبح مفهوم الدولة أقوى من الولاءات، ومفهوم المواطنة أعلى من الانتماءات الجزئية.
فالتحرر الداخلي يبدأ فورًا بتطهير كافة مؤسسات الدولة من ترسبات الفشل المزمن والفساد الممنهج الذي تراكم، وهنا تبرز الأهمية القصوى لهذا المشروع كضرورة وجودية ومطلب ثوري ملح لا يقبل التأجيل. إن المسارات الواضحة تهدف في جوهرها إلى إعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أسس متينة من العدالة الاجتماعية والكفاءة المهنية والمسؤولية الوطنية الكاملة. التغيير ليس مجرد شعار سياسي للاستهلاك الإعلامي، بل هو عملية جراحية كبرى وضرورية لاستئصال الأورام الخبيثة.
نحن اليوم بحاجة ماسة إلى بناء دولة مؤسسات حقيقية تمتلك القدرة والإرادة، وتفعّل كافة الطاقات الشعبية الكامنة في مسيرة البناء والتنمية الشاملة. هذا المسار يتطلب شجاعة استثنائية في اتخاذ القرارات المصيرية، وتلاحمًا شعبيًا وثيقًا يلتف بصدق حول مشروع الدولة القوية.
إن الثورة العظيمة التي واجهت بصبر وثبات أعتى عدوان خارجي هي ذاتها الثورة الحية التي يجب أن تنتصر اليوم، وبقوة، في معركة الإصلاح الداخلي وبناء الإنسان، لتثبت للعالم أجمع أن اليمن القادر على حماية مياهه الإقليمية وترابه الوطني هو ذاته اليمن القادر والمؤهل لبناء نموذج إداري وتنموي رائد يليق بتضحيات شهدائه الأبرار وعظمة تاريخه.

الجوار والمنطقة.. نحو علاقات ندية تصوغها الجغرافيا وتصونها الكرامة
يجب على دول الجوار إعادة قراءة المشهد اليمني بعيدًا عن أوهام السيطرة أو الاحتواء. إن أمن المنطقة واستقرارها مرتبطان بشكل عضوي بأمن اليمن واستقراره وسيادته، وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة هي رهان على السراب. فمستقبل علاقة اليمن بجواره ودول المنطقة يجب أن يقوم على أنقاض العقلية الاستعلائية والتدخلية التي طبعت العقود الماضية، ليحل محلها منطق الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والندية المطلقة.
إذا ما اتجهت المسارات المستقبلية نحو تشكيل تكتلات إقليمية تحترم إرادة الشعوب وتواجه الأطماع الخارجية، لا بد لليمن في هذا السياق أن يمثل حجر الزاوية بفضل موقعه وثقله البشري والثوري. وإذا كانت العلاقة القادمة ستصوغها البنادق التي حمت الأرض، فيجب ألا تنسى الحاجة إلى أهمية العقول التي ستدير الدولة، ليكون اليمن دائمًا كما أراد له أبناؤه: حرًا، مستقلاً، وفاعلاً أساسيًا في محيطه العربي والإسلامي، مستندًا إلى تاريخه العريق ومستقبله الواعد. لكن الوصول إلى هذه المرحلة تتطلب أولًا معالجة اختلالات الداخل؛ وفي مقدمتها الفساد وضعف الرؤية والارتباك السياسي، فالعالم لا ينتظر المترددين، والمنطقة تدخل عصرًا جديدًا من التنافس والتحولات الكبرى، واليمن لا يملك رفاهية البقاء خارج اللحظة الراهنة. 
إن المستقبـــل لن يُمنح لليمن هدية، بل يُنتزع بإرادة وطنية صلبة تعرف كيف تواجه أزماته الداخلية بصدق، وتفهم محيطه الإقليمي بوعي.
في الختام، إن أخطر ما يهدد اليمن هو استمرار بعض العقليات التي تدير الأزمات بدلاً من حلها. وما لم نواجه هذه العقليات بحزم وصدق، فستظل السيادة اليمنية معلقة بين داخل مأزوم وخارج متدخل.

أترك تعليقاً

التعليقات