اختطاف نيكولاس مادورو.. الاشتراكية.. شوكة آلمت واشنطن، فهل يكفي أمريكا خطفُ الرئيس أم أن فنزويلا كلها مطلوبة؟!
- عثمان الحكيمي الأثنين , 5 يـنـاير , 2026 الساعة 6:24:26 PM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
على مدار السنوات الماضية، كلما نظرنا إلى خريطة الصراعات العالمية، كانت أنظارنا تتجه غالباً نحو مناطق التوتر التقليدية في الشرق الأوسط أو شرق أوروبا. لكن على الضفة الأخرى من العالم، وفي قلب أمريكا اللاتينية، كانت فنزويلا تخوض معركة وجودية لا تقل ضراوة. إنها معركة تتجاوز بكثير عناوين الأخبار السطحية التي تصورها كأزمة إنسانية، أو تختزلها في صراع بين «ديكتاتور» ومعارضة «ديمقراطية». ما خاضته فنزويلا، في حقيقته، هو النسخة الحديثة من الحصار الإمبراطوري؛ حصارٌ لم تعد فيه الجيوش هي الأداة الوحيدة، بل أصبحت العقوبات الاقتصادية والتلاعب السياسي والحرب الإعلامية هي الأسلحة الأكثر فتكًا.
اختطاف مادورو وزوجته واقتيادهما خارج البلاد
في أَحْدَثِ فصولِ الهيمنةِ الأمريكية، سُطِّرَ مشهدُ العدوانِ على أرضِ فنزويلا، مُرَسِّخًا شريعةَ الغابِ الدولية. لم يكنِ المشهدُ مفاجئًا لمن يقرأُ ديناميكياتِ الهيمنة؛ فالعقوباتُ الخانقةُ التي فرضتها واشنطن لم تكن يومًا هدفًا بحد ذاتها، بل مجردَ تمهيدٍ بطيءٍ للموت، وحصارٍ جائرٍ ومدروسٍ أُريدَ به تركيعُ شعبٍ وقيادةٍ رفضا الانحناء، وكانت لهما صولاتٌ وجولاتٌ في دعم القضية الفلسطينية. وحين فشلت لغةُ التجويعِ في تحقيقِ الانهيارِ المنشود، كان من الحتميِّ أن تلجأَ الهيمنةُ الأميركيةُ إلى لغتها الأم: لغةِ القوةِ الغاشمة «القرصنةِ الدوليةِ الصريحة».
في عتمةِ فجرٍ سرقتْ براءتَهُ أصواتُ الانفجارات، لم تكنِ الضرباتُ الجويةُ على كاراكاس مجردَ «أهدافٍ عسكرية»، بل كانت عمليةَ «بترٍ استراتيجي» لسيادةِ أمة. لقد كانت تلك الضرباتُ، التي يصفونها ببرودٍ «جراحية»، تدميرًا ممنهجًا للجهازِ العصبيِّ للدولة، وشلًّا متعمدًا لقدرتها على الرد، في جريمةِ حربٍ مكتملةِ الأركانِ خُطِّطَ لها على مدى شهورٍ من التجسسِ الوقح، الذي انتهكَ سيادةَ بلدٍ وحوّلها إلى مجردِ بياناتٍ استخباراتية.
تحت ستارِ هذا الجحيمِ الناري، لم تكن «قوة دلتا» تزحفُ كجيش، بل كـ»كلابِ حربٍ» في مهمةٍ خاصة. لم تكن عمليةَ اعتقالٍ ضمنَ أُطُرِ القانون، بل عمليةَ اختطافٍ جبانة. قَيَّدوا رئيسًا شرعيًا وزوجتَه، ليتحولَ رمزُ سيادةِ فنزويلا إلى أسيرٍ يُجَرُّ في ظلمةِ الليلِ إلى مروحيةٍ ابتلعتهما، تاركةً وطنًا جريحًا ينزفُ كرامة.
وفيما كانت فنزويلا تستفيقُ على هولِ الصدمة، خرجَ «سيدُ الحروب»، دونالد ترامب، ليزفَّ بفخرٍ نبأَ جريمته، محاولًا إلباسَ القرصنةِ ثوبَ القانونِ عبرَ مصطلحِ «إلقاء القبض». لكنَّ المشهدَ المهينَ لهبوطِ الطائرةِ في نيويورك، وظهورَ مادورو، سليلِ بوليفار، مكبلًا بأيدي جلاديه، كان أبلغَ من أيِّ بيان، ليستخدمَ في المستقبلِ قاعاتِ محاكمِهِ كمسرحٍ أخيرٍ لتصفيةِ خصومِه.
حصار النفط والديمقراطية الزائفة
لا يمكن فهم ما حصل في فنزويلا إلا من خلال منظور جيوسياسي يضع الموارد في قلبه؛ فالقضية تتجاوز بكثير الشعارات الرنانة حول «الديمقراطية» و»حقوق الإنسان»، لتصل إلى جوهر الصراع على الثروة والسيادة. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، متجاوزةً بذلك دولًا كبرى في هذا المجال. هذا «الذهب الأسود»، إلى جانب احتياطياتها الهائلة من الغاز الطبيعي، والذهب، والبوكسيت، والكولتان (المعدن الاستراتيجي في الصناعات الإلكترونية)، يجعل من فنزويلا كنزًا استراتيجيًا لا يمكن للقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن تتجاهله.
منذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة، بدأت فنزويلا مسارًا جديدًا يهدف إلى استعادة السيطرة على مواردها الوطنية وتوجيه عائداتها نحو برامج اجتماعية، وهو ما عُرف بنموذج «اشتراكية القرن الحادي والعشرين». هذا التوجه، الذي تضمن تأميم قطاعات حيوية وعلى رأسها قطاع النفط، كان بمثابة إعلان قطيعة مع عقود من هيمنة الشركات متعددة الجنسيات والتبعية للغرب. لم يكن الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة، ليتسامح مع وجود نموذج مستقل ومناهض للهيمنة في «فنائه الخلفي»، خاصةً أن هذا النموذج يمتلك القدرة على تمويل نفسه وتحقيق استقلالية حقيقية.
لذلك، بدأت حرب متعددة الأوجه ضد فنزويلا. فالحرب على فنزويلا هي معركة على حق الدول في امتلاك سيادتها على مواردها واتباع نموذج تنموي مستقل عن الهيمنة الغربية. إنها صراع بين رؤيتين للعالم: رؤية ترى في الموارد الطبيعية حقًا للشعوب، ورؤية إمبريالية تعتبر هذه الموارد مجرد «أصول» يجب السيطرة عليها لضمان استمرار التفوق الجيوسياسي والاقتصادي.
الاشتراكية.. شوكة تؤلم واشنطن في خاصرتها
عندما تنطق واشنطن وأبواقها الإعلامية باسم فنزويلا، فإن ما يخشونه حقًا ليس مجرد كلمة «الاشتراكية»، بل ما ترمز إليه. إن ما يرعبهم ويقض مضاجعهم، وما يشكل «الخطيئة التي لا تُغتفر» في نظرهم، هو جوهر «اشتراكية القرن الحادي والعشرين»: جريمة السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية؛ جريمة أن تكون أمةٌ سيدة قرارها.
إن اشتراكية تشافيز ومادورو هي، في جوهرها الثوري، مشروع للكرامة الوطنية يرتكز على مبدأين لا يمكن للإمبريالية أن تتعايش معهما:
الأول: استعادة الأرض والموارد لأصحابها الحقيقيين. لعقود طويلة، كانت فنزويلا بقرةً حلوبًا للولايات المتحدة، تنهب شركاتها العملاقة ثرواتها بمباركة طبقة من الخونة المحليين. عندما أعلن تشافيز تأميم النفط، لم يكن يوقع قرارًا اقتصاديًا فحسب، بل كان يطلق رصاصة في قلب الهيمنة، معلنًا استقلالًا حقيقيًا لا شكليًا. لقد كانت صرخة فنزويلا مدوية: «هذا النفط دم شعبنا، وسيروي عروق أطفالنا، لا أن يملأ خزائن الأمريكيين».
الثاني: وهو الأخطر في عقيدتهم: «خطر المثال الملهم». عبر تسخير أموال النفط لبناء مجتمع جديد من خلال برامج «المهمات التي قضت على الأمية ووفرت العلاج المجاني والمأوى لمن سحقتهم الرأسمالية، أثبتت فنزويلا للعالم أن هناك طريقًا آخر؛ طريقًا غير الذي يرسمه جلادو صندوق النقد والبنك الدوليين. الخوف الحقيقي ليس من فشل فنزويلا، بل من نجاحها. فنجاح ثورة توفر لشعبها حياة كريمة وتتحدى السيد الأمريكي، هو «فيروس» مقدس قد يصيب كل المقهورين في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. ماذا لو استيقظت نيجيريا، أو ثارت الإكوادور، أو انتفضت إندونيسيا؟ إن ذلك يعني ببساطة انهيار مملكة الاستغلال العالمية.
لهذا السبب، كان لا بد من تدمير هذا النموذج وتصويره على أنه فشل كارثي. إن الحصار الاقتصادي والعقوبات الخانقة ليست رد فعل على «فشل» الاشتراكية، بل هي الأداة المصممة لخلق هذا الفشل. هم يمنعون فنزويلا من بيع نفطها، ثم يصرخون: «انظروا، اقتصادهم ينهار!». هم يمنعونها من استيراد قطع الغيار لشبكة الكهرباء، ثم يصرخون: «انظروا، لا يستطيعون توفير الكهرباء!».
إنها حرب استباقية، ليست ضد دولة، بل ضد فكرة؛ فكرة أن عالمًا آخر ممكن، عالمل لا تكون فيه واشنطن هي السيد المطلق. إن الحرب على فنزويلا هي في الحقيقة معركة لقتل الأمل في مهده.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي