عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
خلف الأبواب الموصدة، وفي غرفٍ لا يدخلها إلا من تلطخت أياديهم بدم الضحايا، استمرت تسعون دقيقة بالضبط من الاجتماع المريب بين ترامب ونتنياهو. تسعون دقيقة من التآمر في غرفة سرية بعيداً عن أعين العالم، في خرقٍ صارخ لكل الأعراف في البيت الأبيض، لتأكيد حقيقة واحدة: أن ما يجري ليس سياسة، بل محاولة لهندسة مستقبل المنطقة في عتمة التعتيم. هذا هو الاجتماع الثامن لآلة الدمار المشتركة بين هذين الرجلين منذ اندلاع الحرب على إيران في فبراير؛ لقاءٌ لم يأتِ لترسيخ سلام، بل لضبط إيقاع الحرب القادمة. وبحضور مهندسي الأزمات من روبيو وهيغست ومديرة المخابرات، تجلت ملامح المؤامرة التي تُحاك ضد استقرار المنطقة. نتنياهو، الذي بات يرتكز على روبيو كدليلٍ لخرائط ترامب، يبحث عن شراكةٍ هدفها الوحيد هو تدمير ما تبقى من أمن إقليمي.
فبينما يتبادل نتنياهو وزيلينسكي الوعود حول صواريخ الباتريوت، ويتحركون كقطع شطرنج في مراسم تأبين غراهام، يظهر البيت الأبيض كورشة عمل لتسليح الحروب وتغذية الصراعات. إنها النتائج الإيجابية المزعومة التي يتشدق بها ترامب، بينما هي في الحقيقة صفقات دمٍ تُطبخ على نارٍ هادئة. ولا يغرنكم ادعاء الشراكة الكاملة؛ فبينما يزعمون التوافق، تظهر حقيقتهم في التلاعب بالملفات، وفي تعليق الضربات ضد إيران بعد حربٍ مشتركة، ما يكشف عن نفاقٍ سياسي لا حدود له. هؤلاء لا يصنعون قراراً، بل يصنعون كوارث؛ يجهزون الفتائل، ويطبخون الصفقات، ويتركون الشعوب وحدها لتواجه جحيم النيران التي أشعلوها في غرفهم المظلمة.

ترامب ونتنياهو.. وجهان لعملة واحدة في سوق النخاسة السياسية
خلف ستارٍ من التبريرات الواهية التي تروّج لها مراكز الدراسات المأجورة، يتبدّى واقعٌ أشدُّ قبحاً؛ إذ إن ما يسمّونه اختلافاً في الأولويات ليس إلا مسرحيةً هزيلةً لتقسيم الأدوار في توزيع الموت؛ فبينما يتجلى نتنياهو في صورة المتشدد المتعطش للدماء، يمارس ترامب دور الدبلوماسي المراوغ، وهما في الحقيقة وجهان لعملةٍ واحدةٍ قذرة. إن الرسالة الموجهة لإيران والمنطقة ليست رسالة أمنٍ واحتواء، بل هي إنذارٌ صريحٌ بوجوب الحذر والترقب لآتٍ أعظم، وفي ظل هذه التجاذبات السياسية الحادة لا تبدو أهمية اللقاء في صورته البروتوكولية بقدر ما تكمن في الرسائل التي حملها إلى الإقليم كله. فواشنطن، وهي تحاول أن تمسك العصا من منتصفها، تبدو اليوم عاجزة عن الجمع بين إدارة حرب مفتوحة وضبط مسار تفاوضٍ هشّ مع طهران، وتتقدّم العقدة باعتبارها ساحة اختبار للثقة المفقودة بين الأطراف؛ فـ"إسرائيل" تريد ضمانات صلبة، وواشنطن تبحث عن مخرج سياسي سريع، أما إيران فتتعامل مع كل حديث بوصفه مدخلاً لإعادة إنتاج الضغط لا لإنهاء الحرب.
وبين هذه الحسابات يبقى توازن الردع نفسه مهدداً؛ لأن أي خطأ في التقدير قد يحوّل الهدنة الهشة إلى مواجهة أوسع تمتد من الجو إلى البحر، ومن الحدود إلى عمق الإقليم. وفي خلفية المشهد تبرز جبهات أخرى لا كجبهات منفصلة، بل كامتدادات طبيعية لصراعٍ يأبى أن يُختزل في ملف واحد؛ فكلما ضاقت مساحة التفاهم حول إيران اتسعت احتمالات الانفجار في الساحات الأخرى، خصوصاً مع بقاء المعابر البحرية وخطوط الإمداد العسكرية تحت ضغط دائم. وإذا كان ترامب يريد إنجازاً سريعاً يقدّمه باعتباره ضبطاً للفوضى، فإن نتنياهو يبحث عن تفويض سياسي يتيح له مواصلة سياسة الحافة من دون كلفة مباشرة. والمشكلة أن هذا النوع من الترتيبات لا يصنع استقراراً بل يراكمه على هيئة تأجيلات متتالية، وحين تُدار المنطقة بهذه الطريقة تصبح كل مفاوضات مجرد مرحلة انتقالية نحو حرب جديدة لا نحو حلّ فعلي.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس على ماذا اتفق الرجلان؟ بل إلى أي مدى ما زال ممكناً إبقاء النار تحت الرماد من دون أن تشتعل مرة أخرى. وبينما يغادر الرجلان قاعة الاجتماع، يتركان خلفهما منطقةً تنزلق نحو حتمية الانفجار؛ وهي القراءة الأكثر واقعية والمستندة إلى حركية الميدان المتسارعة، حيث لا يبدو هذا المسار مجرد احتمال، بل حتمية تلوح في الأفق. إن هذا السيناريو هو نتاج صراع وجودي؛ حيث يتقاطع التهور الصهيوني المتصاعد -الذي يسعى لتوسيع رقعة الصراع كآلية للبقاء- مع مغامرة أمريكية قد تنزلق نحو قرارات اندفاعية لترميم هيبة استراتيجية متآكلة أو فرض هيمنة مهددة. نحن هنا بصدد تحالف ضغط قد يجمع بين واشنطن و"تل أبيب" في تنسيق ميداني حاد يهدف إلى الحسم العسكري، وتتسع رقعته لتبتلع أطرافاً إقليمية أخرى، إما بوصفها فاعلة أو بوصفها أهدافاً. في هذا المسار، تنهار كافة كوابح الردع، وتتحول مذكرة التفاهم الهشة إلى رماد، لتندلع شرارة تقود إلى صراع إقليمي شامل، يمتد من مضائق الخليج إلى باب المندب، ويجبر القوى الدولية والإقليمية على الانخراط قسراً في مواجهة كبرى، تقودها مغامرة سياسية وتهور عسكري لا يترك للمنطقة خياراً سوى الاحتراق.
وما يغيب عن عيون المخطئين في واشنطن و"تل أبيب"، هو أن إيران لا تقف في وضعية الانتظار، بل في وضعية الاستعداد المحكم لكل مسارات المواجهة. إن كافة السيناريوهات المطروحة ليست مجرد احتمالات عابرة، بل هي مسارات مرتبطة عضوياً بمدى انزلاق الخصم في مغامرته؛ فكل فعل صهيوني متهور أو مغامرة أمريكية طائشة، ستصطدم بردٍ إيراني لم يُصمم ليكون مجرد رد فعل، بل ليكون ضربة استراتيجية كاسرة. نحن لسنا أمام طرف يحاول حماية نفسه، بل أمام قوة استراتيجية وضعت خصومها أمام حتمية واحدة: أن أي محاولة لكسر قواعد اللعبة، ستواجه بردٍ لا يكتفي بصد الهجوم، بل يذهب بعيداً ليعيد رسم موازين القوى من جديد، وبطريقة تجعل من مغامرة الخصم خطأه الوجودي الأخير.

الثمن الباهظ للمغامرات التي لا تنتهي
التحالف المتصلب بين واشنطن و"تل أبيب" لا يتحرك في فراغٍ سياسيٍّ متجانس، بل في خضمّ حالة من التشظي البنيوي تنهش جسد الإدارة الأمريكية ذاتها. فخلف واجهة التوافق الصوري التي يحاول ترامب تسويقها، يرتجف الداخل الأمريكي تحت وطأة انقسامٍ حاد؛ صراعٌ صامت بين تيارٍ يرى في التصعيد العسكري وسيلةً لاستعادة الهيبة المفقودة، وتيارٍ آخر -يتمثل في أصواتٍ مخالفة- يقرأ في هذه المغامرة انتحاراً استراتيجياً قد يجرُّ واشنطن إلى مستنقعٍ لا قرار له. إن استطلاعات الرأي، التي باتت تعكس قلقاً شعبياً متزايداً، تشير إلى فجوةٍ تتسع بين طموحات النخبة العسكرية وبين واقعٍ مجتمعيٍّ مُنهك، يخشى من أن تتحول النتائج الإيجابية المزعومة إلى كابوسٍ من النزيف البشري والمادي. هذا التشظي لا يقتصر على الصراع الحزبي، بل يمتد ليمسّ جوهر العقيدة الأمنية؛ فالمعضلة لم تعد تقتصر على حدود المواجهة، بل في تحوّل خطوط الإمداد العسكري والقواعد الأمريكية في المنطقة من أدوات للردع إلى أهدافٍ مشروعة في معادلة الرد المتبادل. ومع تصاعد حدة الاستقطاب، يجد الكيان الصهيوني نفسه في مواجهة واقعٍ جيوسياسيٍّ جديد، حيث لم تعد جبهات الخصوم محصورة في حدودٍ جغرافية، بل في تحالفاتٍ إقليمية عابرة للحدود، تضع حلفاء واشنطن في مأزقٍ وجودي أمام ضغوطٍ لا يمكن احتواؤها. وعلى الموازاة، تبرز كلفة الاستنزاف كعاملٍ حاسم في تآكل جبهات الحرب؛ فالداخل "الإسرائيلي" بات يعيش حالة من الهشاشة الاقتصادية والنفسية التي تُهدد العقد الاجتماعي نفسه، في حين تئنُّ الدوائر الأمريكية تحت وطأة التكاليف الباهظة لمغامراتٍ لا تنتهي. إننا أمام مشهدٍ تتداخل فيه التكاليف المادية بالآثار النفسية المدمرة، لتصنع حالة من الإنهاك الاستراتيجي الذي يجعل من أي قرارٍ بالتصعيد مقامرةً بكل شيء، في وقتٍ لم يعد فيه أحدٌ يملك ترف الخطأ.
وبينما تُدار رقعة الشطرنج هذه بين واشنطن و"تل أبيب"، تقف عواصم الخليج في حالة ترقبٍ مشوبٍ بالفزع، تُخفي وراء بياناتها الدبلوماسية قلقاً وجودياً من أن تتحول أراضيها إلى ساحة استنزافٍ لا ناقة لها فيها ولا جمل. فهذه الدول التي راهنت على التطبيع طريقاً للأمان، تكتشف اليوم أن حساب الحقل لا يشبه حساب البيدر، وأن مظلة الحماية الأمريكية التي طالما تشدقت بها ليست أكثر من وعدٍ مشروطٍ بمصالح تتغير مع كل تغريدة. إنها تُمارس لعبة توازنٍ هشة: تصريحات تدعو إلى ضبط النفس، بينما تُفتح قواعدها العسكرية سراً لخدمة الآلة الحربية ذاتها التي تتوعد إيران. وفي الخلفية، لا تغيب موسكو وبكين عن هذا المشهد المضطرب؛ فكلتاهما تراقب من بعيد، تحسبان أرباح الفوضى الأمريكية قبل أن تحسبا خسائرها، وتستثمران في كل تصدعٍ بين واشنطن وحلفائها لترسيخ حضورهما كبديلٍ اقتصادي وأمني في منطقةٍ أنهكتها الحروب. هكذا تتحول المنطقة برمّتها إلى رقعة اختبارٍ لإدارة القوى الكبرى لأزماتها، لا وفق منطق الاستقرار، بل وفق منطق من يملك أطول نفَسٍ في احتمال الاحتراق البطيء.

أترك تعليقاً

التعليقات