معركة سيادة وطنية
 

فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
تمثل المياه في اليمن قضية وجود وسيادة وأمن قومي، وترتبط مباشرة بحياة المجتمع واستقرار الدولة ومستقبل الأجيال القادمة. فاليمن يواجه شحاً مائياً حاداً، واستنزافاً متسارعاً للمياه الجوفية، وتراجعاً في كفاءة المنشآت والشبكات، وتحديات متراكمة، وهو ما يمنح إعداد الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه أهمية تتجاوز حدود التخطيط الفني والإداري.
وتتضاعف أهمية الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه، التي يجري إعدادها في صنعاء، في ظل تحركات موازية تقودها وزارة المياه التابعة لحكومة العليمي المدعومة سعودياً، لإعداد وثيقة تحمل المسمى ذاته، تحت إشراف قوى العدوان وبما ينسجم مع مشاريعها السياسية والاقتصادية وأهدافها في اليمن.
ويكشف هذا الواقع عن صراع حول المرجعية التي ستحدد مستقبل قطاع المياه، والجهة التي ستضع الأولويات، وتوجه الموارد، وتدير البيانات، وترسم مسار المؤسسات والمشروعات مستقبلاً. فالاستراتيجيات الوطنية تصنع السياسات العامة، وتوجه الخطط والبرامج، وتحدد أولويات المشروعات، وتنظم الأدوار المؤسسية، وتؤثر في مسار الدراسات والخرائط وقواعد البيانات والاحتياجات المستقبلية.
ويتوقع أن تسعى قوى العدوان، عبر الأدوات التابعة لها، إلى إنتاج استراتيجية تخدم مشروعها في اليمن، وتوفر غطاءً فنياً وسياسياً لتحركاتها، وتعيد تشكيل قطاع المياه وفق رؤيتها ومصالحها. كما يتوقع أن تستخدم تلك الوثيقة في توجيه المشروعات والأولويات، وإعادة ترتيب المؤسسات، والتحكم في مسار البيانات والدراسات، وفرض تصورات تخدم الجهات المشرفة على إعدادها.
ويمتلك قطاع المياه كماً كبيراً من المعلومات الحساسة، تشمل مواقع الأحواض والآبار والسدود والمنشآت والشبكات، ومستويات المخزون الجوفي، ومناطق العجز المائي، ومعدلات الاستهلاك، ومصادر الإمداد، والاحتياجات الحالية والمستقبلية. وترتبط هذه المعلومات بالأمن القومي، لأن السيطرة عليها تمنح قدرة واسعة على التوجيه والضغط والتحكم في أحد أكثر القطاعات اتصالاً بحياة السكان واستقرار المجتمع.
ومن هنا نأمل أن تأتي الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه، التي يجري إعدادها في صنعاء، بوصفها وثيقة سيادية واستباقية ومحصنة، تحمي القرار المائي، وتصون الموارد والمنشآت والمعلومات، وتقطع الطريق أمام محاولات فرض مرجعية موازية تخدم قوى العدوان، وتقدم رؤية وطنية متكاملة تشمل اليمن بكامل محافظاته.
كما نأمل أن تُبنى هذه الاستراتيجية على قاعدة علمية وميدانية راسخة، بمشاركة المؤسسات المختصة، والخبراء، والجامعات، ومراكز البحث، والسلطات المحلية، والمجتمعات، والكوادر التي راكمت خبرة طويلة في إدارة المياه في الحضر والريف وفي ظروف الحرب والحصار والطوارئ.
ويتوقع أن تستمد الاستراتيجية قوتها من وضوح رؤيتها، ودقة أهدافها، وواقعية برامجها، وقابلية مؤشرات أدائها للقياس، وقدرتها على ربط الأولويات بالموارد المتاحة، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة والتقييم والمساءلة.
ونأمل أن تركز الاستراتيجية على حماية الأحواض المائية من الاستنزاف، وتنظيم حفر الآبار، وتعزيز حصاد مياه الأمطار، والتوسع في تغذية المياه الجوفية، وتأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين الوصول إلى الخدمات، وتعزيز العدالة في توزيع المياه.
كما نأمل أن تضع حماية المنشآت والخرائط وقواعد البيانات في صدارة أولوياتها، وأن تعتمد ضوابط وطنية دقيقة لتداول المعلومات المائية، بما يضمن بقاء القرار المائي في يد المؤسسات الوطنية، ويحمي البيانات الفنية من أي استخدام يهدد مصالح اليمن أو يعرض موارده ومقدراته للخطر.
إن الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه تمثل في هذه المرحلة جبهة من جبهات حماية اليمن، ويتوقع أن تتحول، متى بُنيت على رؤية مستقلة وقاعدة علمية صلبة وإرادة سياسية حقيقية، إلى سد منيع أمام المشاريع التي تسعى إلى إخضاع قطاع المياه لإشراف قوى العدوان، وإلى وثيقة سيادية تحمي المورد والمؤسسة والمعلومة والقرار، وتصون حق الشعب اليمني في إدارة مقدراته وبناء مستقبله.

أترك تعليقاً

التعليقات