مرتضى الحسني

مرتضى الحسني / لا ميديا -
منطق الصفقة، لا لغة الشراكة، هو ما يحدد قواعد اللعبة في السياسة الدولية؛ إذ تُرسم داخل إطاره الخرائط المحدِّدة لمعالم الطريق الجديد في مسارات الجغرافيا السياسية، فتغدو حينها التحالفات أوراق ضغطٍ لا منظومات التزام، أوراقاً أحرقتها عواصف الحلفاء قبل أن تصلها نيران الأعداء. وتلك قصة غرينلاند.
اصنع وهماً ثم رسّخه كتهديدٍ وجودي، واجعل نفسك الحل الوحيد، بل والحريص المخلص الحامي للأمن القومي العالمي والحجر الصلب الذي تتكسر عليه تعددية أقطاب العالم. ذلك صنيع ترامب حين توجّه ناحية الجزيرة التابعة للدنمارك، بل ويراود الاتحاد الأوروبي أن يهبها إياه طوعاً أو كرهاً، سراً أو علانية. يتذرع بالتقرب الصيني والروسي منها، وأن حاجته لها تشكل مسألة أمن قومي أمريكي، رغم أن التواجد الأمريكي في الجزيرة متواجد فيها منذ اتفاقية 1951 التي ترسخ التواجد العسكري الأمريكي فيها علاوةً على تبعيتها لدولةٍ حليفةٍ في الناتو الذي تقوده أمريكا، فلو كان كذلك لما احتيج لكل هذه الضجة الترامبية.
اتجاه ترامب نحو غرينلاند جاء عقب اعتقال مادورو وانتهاك السيادة الفنزويلية وزهو القوة العسكرية الأمريكية؛ إذ يرسل للعالم بكله أنّه يمتلك القوة الأكبر ويستطيع فعل ما يريده؛ لكن على الشق الآخر لم يستطع إنهاء المشكلة الروسية الأوكرانية بعد أن عرض خطة لإنهاء الحرب عارضتها أوروبا ووقفت بشدة ضد الموافقة عليها، معتبرةً إياها خطة استسلام لروسيا، ناهيك عن رفض روسيا لها بشكلها الترامبي، وإنما وافقت عليها مبدئياً مع إضافة تعديلات توافق مصالحها وأمنها القومي. أضف إلى ذلك الزخم الذي يحشده ترامب لمجلسه في غزة -وهو ما تحفظت أوروبا على ميثاق إنشائه- كما يريد هواه أن يطبقه في أوكرانيا وفنزويلا.
عوامل عديدة تختلف في ميدان المصالح السياسية والتوجهات الأمريكية والأوروبية جعلت ترامب يبحث عما ينوخ به أوروبا، لذا اتجاه للصدام في غرينلاند متجاوزاً كل المصالح المشتركة والأولويات التي تمس حلف الناتو، بإرادة فرض السيادة الأمريكية على الجزيرة جهرةً، وفرض رسوم جمركية على سبع دولٍ أوروبية رفضت فعلته تلك، وهو ما أشعل الساحة السياسية الأوروبية للسعي نحو حلول ناجعة غير محاولة الاسترضاء الأوروبية لأمريكا المُنتهجة طيلة العقود الماضية، فاتجهت أوروبا مثلاً لتفعيل «اتفاقية ميركسور» مع دول أمريكا اللاتينية للخلاص من تعريفات ترامب الجمركية المفروضة على التجارة الأوروبية، واتجاه دول عديدة في الناتو نحو تطوير العلاقات الاقتصادية مع الصين... وآخر ذلك اتجاه دول الاتحاد الأوروبي لفرض تعريفات جمركية مضادة للولايات المتحدة تبلغ 94 مليار دولار.
الخطوة الأخيرة هذه جعلت الولايات المتحدة تهدئ من نشوتها قليلاً، وتراجع ترامب عن تصريحاته. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية أزمة، بل انتقالاً محسوباً من التلويح الخشن إلى التفاوض الموجّه، ومن الخطاب الصادم إلى «إطار اتفاق» يُطبخ في الغرف المغلقة ثم يُقدَّم لاحقاً على أنه إنجاز تاريخي.
أوروبا تفهم هذا جيداً، فقد نقلت «واشنطن بوست» عن مسؤولين أوروبيين أنها ما تزال في حالة تأهب. فالقضية ليست في جملةٍ قيلت ثم سُحبت، إنما بمنطقٍ يقف خلفها يحول السيادة إلى بند قابل للمساومة والناتو إلى ورقة مساومة، في تعريف جديد للعلاقات الأطلسية بتكلفةٍ وعائد لا مصيرٍ مشترك.
لقد بدا «الناتو» كالماشي على شفرة، لاسيما حين يلوّح ترامب بوضع «الناتو على المحك»، ويقترح إجباره على حماية الحدود الجنوبية الأمريكية من «غزو المهاجرين»، معيداً صياغة الحلف بخدمةٍ مشروطةٍ لا التزامٍ جماعي. وهو انقلابٌ في فلسفة التحالف، يفتح الباب أمام سابقةٍ مدمرة. فإذا كان الحلف يُستعمل لتصفية أولويات داخلية أمريكية، فما الذي يمنع استخدامه غداً لفرض شروط على سيادة دوله؟!
في النهاية، ليست غرينلاند مجرد ملف تفاوض، بل مرآة لزمنٍ يريد تحويل الدول إلى بنودٍ قابلة للبيع والشراء تحت لافتة الأمن والشراكة. وأصحاب الجزيرة حين يقولون: «السيادة خط أحمر»، لا يدافعون عن أرضٍ باردة فحسب، بل يدافعون عن آخر ما تبقى من معنى الدولة، في عالمٍ تُدار فيه الخرائط بميزان القوة لا بميزان الحق.

أترك تعليقاً

التعليقات